
قراءة نقدية في انظمة الحكم من الملكية الى اليوم
بقلم : احسان باشي العتابي
ليس من اليسير الكتابة عن تاريخ الحكم في العراق دون ان تتداخل الذاكرة بالالم، او يمتزج التحليل السياسي بالحس الاخلاقي. فالعراق، منذ تاسيس دولته الحديثة عام 1921، لم يعان من شح الحكام بقدر ما عانى من غياب مفهوم الدولة التي يكون الانسان فيها هو الغاية لا الوسيلة. وبين انظمة تعاقبت باسماء مختلفة وشعارات متباينة، بقي السؤال الجوهري معلقا: اي تلك الحكومات انصفت الشعب العراقي حقا، وسعت الى خدمته وحفظ كرامته؟
العهد الملكي (1921–1958): دولة ناشئة بقرار من الخارج.اذ ولدت الملكية العراقية في ظل الانتداب البريطاني، فجاءت محملة بتناقضات التاسيس. صحيح ان البلاد عرفت دستورا وبرلمانا وصحافة ناشئة، الا ان القرار السيادي ظل محدودا، والعدالة الاجتماعية بعيدة المنال. اتسعت الفجوة بين المدينة والريف، وبين الاقطاعي والفلاح، وبقيت الدولة اقرب الى ناد للنخب منها الى مظلة جامعة لكل المواطنين.
لم يكن الخلل في وجود موسسات شكلية، بل في انحياز الدولة الاجتماعي، وفي عجزها عن تحويل الاستقلال السياسي الى كرامة معيشية.
جمهورية 14 تموز (1958–1963): حين اقتربت الدولة من الناس.حيث مثلت ثورة الرابع عشر من تموز قطيعة حقيقية مع الارث السابق، ليس فقط باسقاط النظام الملكي، بل باعادة تعريف وظيفة الحكم. في هذه الحقبة برز اسم عبد الكريم قاسم بوصفه نموذجا مختلفا في تاريخ السلطة بالعراق.
لم يكن قاسم زعيما بلا اخطاء، لكنه كان استثناء اخلاقيا نادرا:
*لم يراكم ثروة ولم يبن مجدا شخصيا.
*انحاز صراحة للفقراء والكادحين.
*قدم التعليم والسكن والعمل كحقوق اساسية.
الاهم من القوانين والاجراءات ان روح الحكم انذاك كانت ترى المواطن شريكا لا تابعا. ولهذا بقيت هذه المرحلة، رغم قصرها، حاضرة في الذاكرة الجمعية بوصفها محاولة صادقة لبناء دولة اجتماعية. لم يكن اسقاطها مجرد تغيير سلطة، بل انهاء مشروع كان يمكن ان يوسس لمسار مختلف.
الانقلابات وحكم البعث (1963–2003): الدولة كجهاز قسري. وهنا دخل العراق بعد 1963 في دوامة الانقلابات، ثم استقر لسنوات طويلة تحت حكم حزب البعث. تميزت هذه المرحلة بتأليه السلطة، وتغليب الامن على السياسة، والحرب على المجتمع باسم الدولة.
ورغم ما شهدته بعض الفترات من بناء او نمو اقتصادي، فان ذلك كان مشروطا بولاء مطلق، ومقايضة صريحة بين العيش والسكوت. تحولت الكرامة الى امتياز، واختزل الوطن في صورة الحاكم. وهنا لم تهمش ارادة الانسان فحسب، بل تمت عسكرة الوعي العام.
ما بعد 2003: وفرة بلا عدالة.كان يفترض ان يشكل عام 2003 بداية لعقد اجتماعي جديد، غير ان الواقع كشف عن نظام تعددي في النص، منقسم في الممارسة، منهك بالفساد وضعف السيادة.
ورغم الموارد المالية الهائلة، بقيت الخدمات شحيحة، والعدالة موجلة، والمواطن عالقا بين وعود الانتخابات وخيبات الحكم. لم تعد المشكلة في غياب الدولة فقط، بل في تحويلها الى غنيمة تتقاسمها القوى المتنفذة.
خلاصة اخلاقية قبل ان تكون سياسية:
عند قراءة هذا المسار الطويل، بعيدا عن الاصطفاف الايديولوجي ، يظهر معيار واحد للحكم العادل: كيف تعاملت السلطة مع الانسان؟
وبحسب هذا المعيار، تبدو حقبة عبد الكريم قاسم الاصدق والاقرب الى وجدان العراقيين، لا لانها مثالية، بل لانها لم تفقد بوصلتها الاخلاقية. لقد حكم رجل شعر بان كرامته من كرامة شعبه، فبقي اسمه حيا رغم مرور العقود.
ان العراق لا تنقصه الثروات ولا الكفاءات، بل ينقصه نموذج حكم يرى في السلطة تكليفا لا تشريفا. وحين وجد هذا النموذج – ولو لفترة قصيرة – اثبت ان الدولة العادلة ممكنة، وان الانسان حين يكون محور الحكم، يصبح الوطن اكثر من شعار.
طوبى لمن حكم بضمير، وليبقى السوال مفتوحا: متى يعود الانسان الى قلب الدولة.