• img

لا فضيلة بلا قدرة على ارتكاب الرذيلة

يونيو 17, 2026

 

بقلم:احسان باشي العتابي

يميل الناس الى تمجيد الاخلاق بوصفها صفات مستقرة في النفس، لكنهم نادرا ما يتوقفون عند السوال الاهم: متى تصبح الاخلاق جديرة بالمدح؟ هل يكفي ان يكون الانسان امينا او عفيفا او مسالما حتى نستحق ان نصفه بالفاضل؟ ام ان الفضيلة لا تكتسب قيمتها الا عندما تكون نقيضاتها ممكنة ومتاحة؟

منطقيا،لا معنى للفضيلة ما لم تكن الرذيلة خيارا حقيقيا متاحا امام الانسان. فالامانة التي لا تواجه اغراء ليست اختبارا للامانة، والعفة التي لا تواجه شهوة ليست اختبارا للعفة، والعدل الذي لا يمتلك صاحبه القدرة على الظلم ليس دليلا على عدالة راسخة، بل ربما يكون مجرد انعكاس لعجز او لغياب الفرصة.

من هنا تبدو كثير من الاحكام الاخلاقية السائدة احكاما متسرعة. فنحن نمدح اشخاصا لانهم لم يسرقوا، دون ان نسال ان كانوا قد وضعوا اصلا في ظرف يدفعهم الى السرقة. ونمدح اخرين لانهم لم يسيئوا استخدام السلطة، بينما لم يمتلكوا سلطة حقيقية من الاساس. والحقيقة ان الامتناع عن فعل لا نقدر عليه لا يمنحنا اي تفوق اخلاقي، لان الاخلاق تبدا لحظة تصبح القدرة متاحة، لا قبل ذلك.

فالفقير الذي يعاني قسوة الحاجة، ويرى في المال غير المشروع طريقا للخلاص، ثم يرفضه رغم اغراءاته، يقدم مثالا للقوة الاخلاقية الحقيقية. ان فضيلته لا تكمن في انه لم يسرق، بل في انه كان قادرا على السرقة او على الاقل مدفوعا اليها، ثم اختار طريقا اخر اكثر صعوبة واقل مكسبا. هنا فقط يصبح للحديث عن الشرف والنزاهة معنى.

وكذلك الامر بالنسبة للقوة الجسدية او السياسية او الاجتماعية. فالقوي لا يقاس بقدرته على اخضاع الاخرين، وانما بقدرته على ضبط نفسه حين يكون الاخضاع ممكنا. ان الانسان الذي يمتلك اسباب البطش ثم يمتنع عنه اكثر قوة من انسان لم يمتلك تلك الاسباب اصلا. فالاول انتصر على نفسه، اما الثاني فلم يخض المعركة من الاساس.

ان جوهر الاخلاق ليس الطاعة العمياء للقوانين، بل السيطرة الواعية على الذات. فالقانون يستطيع ان يمنع الجريمة خوفا من العقوبة، لكنه لا يستطيع ان يصنع فضيلة. الفضيلة تنشا عندما يكون الانسان حرا في ان يخطئ، ثم يختار الصواب رغم ذلك. ولهذا فان الحرية ليست نقيض الاخلاق، بل شرطها الاساسي. فحيث لا توجد حرية حقيقية، لا توجد فضيلة حقيقية ايضا.

ولعل اعظم وهم اخلاقي هو الاعتقاد بأن الانسان الفاضل هو الانسان الذي لا تراوده الرغبات او النزعات او الاغراءات. فالانسان ليس ملاكا، وقيمته لا تكمن في غياب الدوافع البشرية عنه، بل في قدرته على ادارتها وتوجيهها. ان من لا يعرف الغضب لا يمدح على حلمه، ومن لا يعرف الطمع لا يمدح على نزاهته، ومن لا يملك القدرة على الظلم لا يمدح على عدله.ومن فقد الرغبة بالجنس الاخر لعلة ما لا يعظم عزوفه عنه…الخ.

لهذا يمكن القول ان معيار القوة الانسانية ليس ما يستطيع المرء ان يفعله بالاخرين، بل ما يستطيع ان يمنع نفسه من فعله بهم. فكلما ازدادت قدرته على التجاوز وازداد معها تمسكه بالمبدا، ازدادت قيمته الاخلاقية. وفي هذه المفارقة يكمن سر العظمة الانسانية: ان يكون الانسان قادرا على الانحدار، لكنه يختار الارتقاء.

إن الفخر الحقيقي لا يحق لمن حرم من اسباب الخطا، بل لمن امتلكها جميعا ثم رفضها. فهناك فرق بين البراءة الناتجة عن العجز، والفضيلة الناتجة عن الاختيار. الاولى حالة، اما الثانية فموقف. والاولى قد تمنح للانسان بحكم الظروف، اما الثانية فلا تتحقق الا بانتصاره على نفسه. وذلك هو الانتصار الوحيد الذي يمنح الاخلاق معناها، ويمنح الانسان استحقاقه للفخر.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان