
بقلم / احسان باشي العتابي
ليست المشكلة في اختلاف المواقف، فذلك امر طبيعي خاصة في السياسة، انما الكارثة الحقيقية تكمن في هذا الكم الهائل من التناقض الفاضح الذي تمارسه بعض الشخصيات الدينية والاجتماعية في العراق بلا ادنى خجل او مراجعة ضمير.
فذات الاشخاص الذين يصدعون رؤوس الناس اليوم بفتاوى “وجوب الدفاع عن نظام ولاية الفقيه في ايران”، هم انفسهم من افتوا عام 2003 بحرمة مقاومة الاحتلال الامريكي، واعتبروه محررا وصديقا وحليفا. هؤلاء لم يكتفوا بالصمت امام الغزو، بل استقبلوا قواته بالاحضان، وقدموا لها الشكر العلني، واقاموا لها موائد الاحتفاء، وشرعنوا وجودها دينيا وسياسيا؛ والشهود كثر، والشواهد اكثر على تلك الافعال_لمن يحاول الانكار او الدفاع عن اولئك_.
أين ذهبت تلك الفتاوى اليوم؟ وكيف تحول المحتل بين ليلة وضحاها من “صديق” الى “شيطان اكبر”؟ وكيف انقلبت المقاومة من “حرام شرعا” الى “واجب مقدس” بمجرد تغير موازين المصالح؟
وللانصاف، لم يكن هذا السلوك حكرا على بعض رجال الدين وحدهم، بل شاركهم فيه من يقدمون اليوم باعتبارهم “وجوها اجتماعية ووطنية”، مع ان كثيرا منهم كانوا حتى الامس القريب ادوات مطيعة للنظام السابق، او ابواقا تلمع صورته. هؤلاء انفسهم اعادوا تدوير وجوههم وخطاباتهم، وبدلوا جلودهم، ثم لبسوا ثياب الوطنية الزائفة.
انها انتهازية فجة لا علاقة لها بالدين ولا بالمبادئ، بل هي تجارة مواقف، وبيع ذمم، وتحويل الفتوى الى بضاعة تفصل على مقاس الجهة الدافعة.
ثم بعد كل هذا السجل المليء بالازدواجية، يخرج علينا بين الحين والاخر سفيه هنا او متملق هناك، ليتطاول على المفكر الكبير الدكتور علي الوردي، فقط لانه امتلك الشجاعة ليكشف حقيقة الشخصية العراقية وما تعانيه من ازدواجية وتناقض بين القول والفعل.
نعم، تحليل الوردي لم يكن يشمل جميع العراقيين، فبيننا شرفاء واصحاب مبادئ ثابتة، لكنه بالتاكيد اصاب بدقة تلك الفئة الواسعة التي جعلت من التناقض منهج حياة. فئة ترفع اليوم شعارا، وتلعنه غدا، تمجد شخصا ثم تشتمه، تحرم فعلا ثم تبرره، وفق ما تقتضيه المصلحة والجهة الممولة.
وواقعنا الراهن اكبر شاهد على صحة رؤية الوردي. فالمشهد العام اليوم يعج باناس يتلونون كالحرباء، يغيرون ولاءاتهم كما يغيرون ملابسهم، ويستخدمون الدين والوطنية كادوات للوصول الى السلطة والمال والنفوذ.
المشكلة ليست في من شخص الداء، بل في من يرفض الاعتراف به. وليست الجريمة في فكر علي الوردي، بل في واقع مريض يؤكد كل يوم صحة ما قاله قبل عقود.
ولو امتلك هؤلاء ذرة من الشجاعة الاخلاقية لاعتذروا عن ماضيهم وواقعهم الحالي بدل ان يكابروا، ولواجهوا تناقضاتهم بدل ان يهاجموا المفكرين، ولصارحوا الناس بدل ان يستمروا في تضليلهم.
لكن يبدو ان ثقافة الانتهازية اقوى من ثقافة الاعتراف، وان التملق اسهل من المبدا، وان تزييف الوعي اريح من قول الحقيقة.
ولهذا سيبقى امثال علي الوردي شوكة في عيونهم، لان الحقيقة دائما تزعج المنافقين.