• img

حين يحكم الفقر…تسقط شرعية الغنى

فبراير 21, 2026

 

بقلم : احسان باشي العتابي

 

لم يعد الفقر ظاهرة اجتماعية طارئة يمكن ارجاعها الى الحظ او الظروف، بل بات نتيجة مباشرة لبنى اقتصادية وسياسية تدار بوعي وتحمى بخطاب مصلحي. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الغنى ـ مهما البس من تبريرات او احيط بشعارات التنمية والنجاح الفردي ـ موضع مساءلة اخلاقية لا يمكن تجاوزها.

 

العالم المعاصر لا يعاني من شح الموارد، بل من اختلال فادح في توزيعها. ترفع شعارات حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية في المحافل الدولية، بينما تتسع هوة الفقر داخل المجتمعات، وتترك فئات واسعة فريسة الحرمان والتهميش. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة يكشف ان المشكلة ليست في غياب القيم، بل في توظيفها الانتقائي.

 

ان الغنى، حين يتحقق في بيئة يسودها الفقر، لا يمكن اعتباره شانا فرديا خالصا. فالثروة في هذه الحالة ترتبط بالسياسات العامة، وبطبيعة النظام الاقتصادي، وبمدى عدالة الفرص المتاحة. وعندما تراكم الثروات دون مساءلة، بينما يترك الفقر ليتحول الى نمط حياة، فان الصمت عن هذا الخلل يصبح مشاركة غير مباشرة في تكريسه.

 

الانسان الحقيقي، في هذا السياق، لا يقاس بما يعلنه من مواقف نظرية، بل بمدى انحيازه العملي لمنطق العقل مقرونا بضمير حي. فالعقل المجرد من الاخلاق يتحول الى اداة تبرير، والضمير المنفصل عن التحليل العقلاني يفقد قدرته على الفعل. وحده التوازن بينهما يمنح الموقف الانساني معناه الحقيقي.

 

اما الاكتفاء بالخطابات الاخلاقية دون سياسات عادلة، او بالمبادرات الشكلية دون معالجة جذرية لاسباب الفقر، فلا يعدو كونه ضجيجا اعلاميا يفتقر الى الاثر. فالشعارات، مهما بلغت كثافتها، لا تطعم جائعا ولا تحفظ كرامة انسان.

 

ان اعادة الاعتبار للانسانية تبدا من الاعتراف الصريح بان الفقر ظلم، وان الغنى غير المسوول يفقد شرعيته الاخلاقية، وان العدالة ليست خطابا بل ممارسة. وما لم يبن هذا الوعي في صلب السياسات العامة، سيبقى العالم يدور في حلقة مفرغة، تستهلك فيها القيم، بينما يدفع الانسان الثمن.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان