• img

حين تتحول الدراما الى فتنة طائفية وتراشق اتهامات وتسقيط مجتمعي

فبراير 20, 2026

 

قراءة فلسفية في هشاشة الانتماء وانهيار المعنى الوطني

بقلم : احسان باشي العتابي

ليست المشكلة في مسلسل حمدية ، ولا في الجهة المنتجة له، ولا حتى في القصة التي اختارتها الدراما لتسليط الضوء عليها ، فالفن في جوهره ليس موسسة وعظية ولا جهاز دعاية ، بل اداة كشف. الاشكال يبدا حين لا نرى في المرآة سوى ما نكره ، فنكسر المرآة لا لان صورتها كاذبة ، بل لانها تفضح ما حاولنا طويلا انكاره بكل وسيلة.

الاعلان عن عمل درامي عراقي من انتاج قناة MBC، يتناول حكاية فتاة سحقت اجتماعيا واخلاقيا، كان كافيا ليكشف واقعا اكثر قسوة من اي سيناريو: هشاشة الانتماء للوطن، وقابلية المجتمع للانقسام عند اول استفزاز رمزي، وانهيار منظومة الاخلاق حين تختبر خارج دائرة الشعارات.

القصة، مهما كانت تفاصيلها، لم تصدر حكما على طائفة او منطقة، ولم تقدم بوصفها بيانا سياسيا، ومع ذلك جرى التعامل معها كاتهام جماعي. وهنا تتجلى الازمة العميقة في الوعي الجمعي، حين يفقد الفرق بين الرمز والواقع، وبين السرد الفني والفعل الجرمي، فيستدعي خطاب التخوين بدل النقد، والتهديد بدل النقاش.

حتى زيارة مرقد موسى الكاظم داخل العمل، لم تقرا بوصفها معطى مكانيا او انسانيا، بل جرى تحميلها دلالات اصطفافية، وكأن المقدس لم يعد قيمة جامعة بل اداة فرز، تستعمل لتاكيد الانقسام لا لتجاوزه. في هذه اللحظة تحديدا، لا يكون الخلل في العمل الدرامي، بل في ذهنية جاهزة لتحويل كل رمز الى ساحة نزاع.

الاخطر من الغضب الشعبي المنفلت”الذي لمسنا انه موجه بدرجة كبيرة”،كان انتقال هذا الانفعال الى بعض موسسات الدولة، عبر استدعاءات رسمية ومواقف توحي بان السلطة ارتبكت امام عمل فني، فخلطت بين مسووليتها في حماية النظام العام وحقها المحدود في التدخل. فالدولة، وفق منطق الدستور، لا تقيم الفن بذائقة سياسية ولا تحاسب السرد الرمزي بادوات ادارية، لان حرية التعبير والابداع مكفولة ما لم تتحول الى تحريض مباشر او تهديد صريح للسلم المجتمعي، وهو ما لم يتحقق في عمل درامي لم يتجاوز حدود الحكاية.

حين تتدخل السلطة التنفيذية خارج اطار القضاء المختص، فانها لا تدافع عن الاخلاق العامة، بل ترسخ منطق الوصاية، وتقايض حق التعبير برد فعل الشارع، وتبعث برسالة خطيرة مفادها ان الحرية حق قابل للتعليق متى ما ارتفعت نبرة الغضب. وفي مثل هذا السلوك، لا تصان الدولة، بل تستنزف هيبتها، ويفتح الباب امام تحويل اي عمل ثقافي الى قضية امنية.

وهنا يطرح السوال الجوهري الذي لا يمكن الهروب منه: اي وطن هذا الذي تهتز صورته بسبب مسلسل، بينما لا تهتز امام فساد ممنهج، او عنف يومي، او انتهاكات موثقة؟ واي انتماء ذاك الذي يستدعى للدفاع عن “السمعة” ويغيب حين ينتهك الانسان؟

الوطن ليس واجهة تلمع بانكار العيوب، بل عقد اخلاقي يقوم على الاعتراف بالازمات ومعالجتها. ومن يظن ان حماية العراق تمر عبر اسكات الفن، او قمع السوال، او تخوين السرد، انما يساهم – من حيث يدري او لا يدري – في افراغ فكرة الوطن من معناها.

لقد تحولت الطائفية من خطاب كراهية الى الية تفكير، ومن موقف سياسي الى رد فعل تلقائي. وما اثير حول هذا العمل الدرامي ليس استثناء، بل دليل اضافي على ان هذه الالية ما تزال تعمل بكفاءة، تعيد انتاج نفسها عند كل حدث، وتحول اي نقاش الى ساحة طعن متبادل بالشرف والهوية.

الفن لم يسقط الاخلاق، بل كشف سقوطها.

والدراما لم تقسم المجتمع، بل عرت انقسامه.

اما الاخطر، فهو ان كثيرين لم يعودوا يرون في الوطن قيمة جامعة، بل مرآة يريدونها ان تعكس صورتهم فقط، لا صورته الحقيقية.

وما لم ندرك ان الدفاع عن الوطن يبدا بالدفاع عن العقل، وعن الدستور، وعن حق السوال، وعن الفصل الواضح بين الفن والتحريض، سنبقى نحاكم الظلال ونترك الجذور، ونعيش في وطن يخشى المرآة اكثر مما يخشى الانهيار.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان