• img

حين تغيب الاخلاق..يفقد المجتمع بوصلة النهج القويم

أغسطس 10, 2026

بقلم:احسان الباشي

مطاردة امراة في شوارع بغداد او غيرها من مدن العراق ليست” مشهدا عابرا”.. انها اختبار حقيقي لما تبقى من قيم المجتمع السامية التي طالما افتخر بها.

ليست كل الوقائع التي نشاهدها على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مادة للنشر والتعليق، فبعض المشاهد تضع المجتمع باكمله امام مرآة قاسية، وتدفعنا الى السوال:الى اين وصل بنا الحال حين تصبح امراة تسير وحدها في شارع عام مطالبة بتقديم تفسير لوجودها؟

مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي اظهر، بحسب ما جرى تداوله، عددا من الاشخاص في عجلات وهم يلاحقون امراة شابة في احدى مناطق بغداد، وتحديدا في شارع التانكي بمنطقة المنصور، في ساعات الفجر الاولى، بينما كان بعضهم يحاول اقناعها بالركوب معه، في حين ظهر صوت احدهم وهو يسالها: «شعندج طالعة الفجر؟».

سوال يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه يحمل في هذا السياق معنى ابعد من مجرد الاستفسار؛ فهو يفترض ضمنا ان على المراة ان تبرر وجودها في الشارع، وان هناك من يمتلك الحق في مساءلتها عن سبب خروجها وتوقيت خروجها.

لكن السوال الحقيقي الذي ينبغي ان نطرحه ليس: لماذا خرجت هذه المراة في الفجر؟

بل: لماذا وجد بعض الرجال ان من حقهم ملاحقتها والتدخل في شوونها الخاصة؟

قد تكون خارجة لسبب طارئ، او متوجهة الى عمل، او عائدة الى منزلها، او لديها ظرف شخصي لا يعني احدا. وربما لا يوجد سبب اصلا يحتاج الى تفسير. فالشارع العام ليس ملكا لاحد، ووجود امراة فيه لا يمنح الاخرين حق مراقبتها او استجوابها او مضايقتها.

الانسان الذي يمتلك الحد الادنى من النبل، اذا شاهد امراة تسير وحدها في وقت متاخر، لا يفكر اولا بكيفية الاقتراب منها، وانما يفكر: هل تحتاج الى مساعدة؟

واذا لم تكن بحاجة الى شيء، يتركها وشانها.

هذه هي الشهامة الحقيقية.

اما تحويل الطريق الى مساحة للملاحقة والمضايقة، ومحاولة استدراج امراة الى سيارة بحجة تقديم المساعدة، فهو سلوك يجب الا يجري تطبيعه او التعامل معه على انه مجرد “مزاح شباب”.

فالتحرش والمضايقة ليستا مزحة، والخوف الذي قد تشعر به امراة محاصرة بعدة سيارات ليس موقفا طريفا،وكرامة الانسان ليست مادة للضحك على مواقع التواصل الاجتماعي.

من المؤسف ان يذهب بعض الناس، عند وقوع مثل هذه الحوادث، الى السوال عن المراة قبل السوال عن سلوك من لاحقها.

لماذا كانت وحدها؟

لماذا خرجت بهذا الوقت؟

اين اهلها؟

لماذا لم تنتظر حتى الصباح؟

وهكذا يتحول النقاش تدريجيا من محاسبة السلوك الخاطئ الى محاسبة المراة على وجودها في المكان.

وهذا قلب للمعادلة الاخلاقية.

فالمراة ليست مسوولة عن سوء تصرف الاخرين، كما ان حقها في الامام لا يتوقف على كونها برفقة شخص اخر.

اذا كان هناك من يخشى على المراة من الشارع، فالحل ليس ان نقول لها: لا تخرجي.

الحل ان نقول لمن يسيء: احترم الناس ولا توذهم.

المسوولية لا تقع على الاجهزة الامنية وحدها، رغم ان من واجب الجهات المعنية التعامل بجدية مع اي سلوك قد يشكل مخالفة او جريمة، والتحقق من تفاصيل الواقعة ومحاسبة من تثبت مسووليته وفق القانون.

لكن هناك مسوولية اكبر تبدا من البيت.

فالاب الذي يربي ابنه على احترام المراة، والام التي تعلم ابناءها ان الاخرين ليسوا مجالا للسخرية او الاستغلال، والعائلة التي تضع حدودا واضحة للسلوك، جميعهم يساهمون في بناء مجتمع اكثر امنا.

وعلى كبار السن واصحاب المكانة الاجتماعية والعشائرية فضلا عن ذوي الاختصاص، ان تكون لهم كلمة واضحة عندما يتعلق الامر بالسلوكيات التي تسيء الى المجتمع.

فالهيبة الاجتماعية لا ينبغي ان تستخدم لتبرير الخطا او تغطيته، وانما يجب ان تكون وسيلة للاصلاح ومنع تكراره.

المراة التي تمشي في شوارع بغداد وبقية مدن العراق، يجب الا تشعر انها مطالبة بتبرير كل خطوة تخطوها.

والرجل الذي يقود سيارته في الشارع يجب ان يعرف ان وجود امراة بمفردها ليس دعوة اليه للاعتراض او الملاحقة او التعليق.

والمدينة التي نريدها لابنائنا وبناتنا هي مدينة يستطيع فيها الجميع التحرك بامان، بعيدا عن الخوف والتحرش والمراقبة والتدخل في الخصوصيات.

ان قوة المجتمع لا تقاس بعدد السيارات التي تسير في شوارعه، ولا بعدد الشعارات التي ترفع فيه، ولا بكثرة الحديث عن الاخلاق.

الاخلاق تظهر عندما تكون قادرا على الاقتراب من شخص ضعيف او وحيد، ثم تختار الا توذيه.

وتظهر عندما ترى امراة خائفة فتمنحها الامان، لا عندما تستغل خوفها.

وتظهر عندما تعرف ان هناك حدودا لا يجوز تجاوزها، حتى لو لم يكن هناك قانون او شرطي او كاميرا تراقبك.

لذلك فان ما ظهر في هذا الفيديو، ان صحت تفاصيله، ينبغي إلا يمر مرور الكرام.

ليس من اجل التشهير باحد، ولا من اجل تحويل الحادثة الى مادة للاثارة، وانما من اجل ان نقول بوضوح:

لا، ليست المراة مطالبة بان تختفي من الشارع كي نشعر نحن بالامان.

ولا، خروجها في الفجر لا يمنح احدا حق ملاحقتها.

ولا، الرجولة ليست في محاصرة امراة وحيدة بعدة سيارات.

الرجولة ان تمنحها طريقا امنا.

والاخلاق ان تحترم خصوصيتها.

والانسانية ان ترى خوفها فتختار ان تكون سببا في طمانتها، لا سببا في خوفها.

وفي مجتمع تتراجع فيه القيم تحت ضغط الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تصبح حماية ما تبقى من الاخلاق الرفيعة مسوولية الجميع.

فالقانون قد يعاقب المخطئ، لكن التربية هي التي تمنع الخطا قبل وقوعه.

واذا فقد المجتمع قدرته على تربية ابنائه على احترام الاخرين، فانه لا يفقد الامن وحده، بل يفقد شيئا اعمق بكثير:

يفقد بوصلة الانسانية.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان