• img

حين تصبح الاخلاق شرط الحكم…عجلة الايجابيات لن تتوقف…قراءة لجوهر حكم عبد الكريم قاسم

فبراير 14, 2026

 

بقلم : احسان باشي العتابي

لم يعد السوال في العراق: من يحكم؟ بل كيف يحكم، وباي منظومة قيم تدار الدولة. فالتجربة المريرة التي عاشها البلد، خاصة بعد 2003، اثبتت ان تبديل الانظمة لا يعني بالضرورة تغيير المصير، ما دامت الاخلاق غائبة عن جوهر السلطة، وما دام الانسان يستخدم كوسيلة لا كغاية.

حين يستحضر اسم عبد الكريم قاسم اليوم، غالبا ما يستدعى بوصفه صورة او حنينا او مادة سجال سياسي، لا بوصفه نموذجا اخلاقيا للحكم. والفرق بين الامرين شاسع. فالمسالة لا تتعلق بشخص او حقبة، بل بمنطق دولة: دولة ترى نفسها مسوولة امام مواطنيها، لا مالكة لهم؛ دولة لا تدار بالغنيمة ولا تبنى على الخوف، بل على فكرة العدالة بوصفها اساس الشرعية.

ان اي نظام يدار باخلاق الدولة — لا باخلاق العصبية، ولا بعقلية الثار، ولا بمنطق “نحن او الفوضى” — هو نظام يستحق ان يدافع عنه الناس دون مقابل. الدفاع عن الدولة، في هذه الحالة، لا يكون ولاء لشخص او حزب، بل انحيازا لفكرة: ان السلطة وظيفة اخلاقية قبل ان تكون امتيازا سياسيا.

اما ما نشهده اليوم، فهو العكس تماما. سلطة تنتج شرعيتها من الانقسام، وتغذي بقاءها عبر ادارة الازمات لا حلها فضلا عن التاسيس لها. خطاب يبرر الفشل بالموامرة، ويسوق الدم بوصفه ثمنا لا مفر منه، وكأن حياة العراقي اصبحت بندا ثانويا في معادلة الحكم. في ظل هذا الفراغ الاخلاقي، لا تكون انهار الدم استثناء، بل نتيجة طبيعية.

ان الدول لا تنهار حين تضعف مواردها فقط، بل حين تفقد بوصلتها القيمية. وحين تنفصل السياسة عن الاخلاق، يتحول الحكم الى ادارة موقتة للفوضى، لا مشروعا لبناء المستقبل. من هنا، فان الخروج من الضياع لا يبدا بانتخابات جديدة او تحالفات مختلفة، بل باعادة تعريف معنى الحكم ذاته: من سلطة فوق المجتمع الى مسوولية تجاهه.

العراق لا يحتاج الى معجزة، بل الى قرار اخلاقي واضح: لن تكون الدولة للجميع، وان يكون الانسان اولا، وان يدار الحكم بروح العدالة لا بمنطق الغلبة. دون ذلك، سنبقى ندور في الحلقة نفسها، تتغير العناوين وتبقى الماساة، وتستمر انهار الدم لانها لم تجد بعد ما يوقفها.

والسبب في ذلك كله غير خاف بالمطلق: الجماهير التي اعتادت التصفيق لمن نال منصب الرئيس؛لتبقى الوهر واقلية التي تنتمي للوطن خلافا لكل العناوين الاثنية الاخرى، تدفع الاثمان باهظة ودون توقف.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان