• img

قصتان من “سِفُر الرحلة إلى الحسين” الأولى شيطانية، والثانية حسينية

أغسطس 11, 2025

بقلم: جبار بچاي

في رحلة السير نحو الحسين عليه السلام، تتقاطع على الطريق حكايات متناقضة، بعضها يكشف خبث النفوس ودهاء الشيطان، وأخرى تفيض بصفاء القلوب وكرم الإيمان. وبين هذا وذاك، يظل الزائر شاهدًا على مواقف لا تُنسى، تحفظها الذاكرة لترويها للأجيال.

(1)

الليلة الماضية، حوالي الساعة الحادية عشرة وخمسٍ وعشرين دقيقة، كنت في المنزل، والأهل منقسمين بين بيت جدهم القريب وآخرين في كربلاء، ومنهم من كان في خدمة الزوار على الطريق الحولي. فجأة طُرق باب الدار، وكنت قريبًا من كاميرا المراقبة.

طرقت امرأة منقبة الباب، ترافقها ثلاثة أطفال، أكبرهم لا يتجاوز العشر سنوات. ظننت أن العائلة عادت من بيت الجد، لكن وجود الأطفال غير قناعتي.

قلت لها:

ــ تفضلي أختي.

لم ترد. كررت:

ــ تفضلي، أمر خدمة؟

قالت:

ــ أريد آخذهم (مشيرة إلى الأطفال) إلى بغداد، وما عندي كروه (أجرة).

رفعت النقاب عن وجهها، فإذا بها امرأة جميلة جدًا، تبدو في الأربعينيات، ترتدي العباءة بطريقة غير محتشمة، ووردن ثوبها عريضة. رفعت يدها عنوة لتعديل حجابها المهزوز، فبان نصف ذراعها.

قلت لها:

ــ أختي، الوقت غير مناسب، ومو صحيح تفترين على البيوت نص الليل، وأغلب الناس في الزيارة. هذا يجعلك محط شك.

ــ لا تزعلين، أنا أفسر هذا غير شيء.

ردت:

ــ بكل وقاحة، بالله شنو تفسيرك؟

ــ أنا أشك بك، تتفحصين البيوت في هذا الوقت المتأخر من الليل (طگ بطگ)، وقد تكون معك عصابة للسرقة.

ردت:

ــ هسه أنت متساعدني … متحب …

قلت:

ــ لا والله ما أساعدج بنص الليل، عيب تفترين على البيوت بهذا الوقت.

ــ خوية الله وياچ، شوفي هاي الكاميرا فوگ راسچ تسجل صورة وصوت وأي شيء يصير بالمنطقة أنت. وإذا دگيتي أي باب من الجيران والمنطقة أخابر الشرطة.

ــ أوي شصار؟ قابل سبينا العنب؟

 

ــ لا عنب ولا بطيخ، خوية روحي الله وياچ.

أرجعت النقاب على الجزء الأكبر من وجهها، وسحبت الأطفال وفرّت مسرعة.

عدت إلى المنزل واستدركت، وعدت لمراقبتها بالكاميرا.

في الحقيقة كان “تك تك” ينتظرها في الشارع الفاصل بين المدرسة المجاورة والمتنزه القريب. صعدت هي والأطفال، وغادر التك تك بسرعة.

(2)

بذات الوقت، كنت أتواصل بين ساعة وأخرى مع صديق إيراني من محافظة تبريز اسمه حامد، تعرفت عليه في شمال إيران قبل أربع سنوات، ونتواصل بشكل محدود.

حامد سبق وأن جاء لزيارة الأربعين أكثر من مرة، وأبلغني قبل أسبوعين أن أخته، وهي طفلة، تريد زيارة الحسين في الأربعينية، وقد جمعت مالاً لذلك وبلغ ما لديها، كما قال، 80 ألف دينار عراقي.

أخبرني أن هو وشقيقته الطفلة غادرا تبريز مساء أول أمس بسيارته الخاصة إلى مهران، ومن ثم سيأتي إلى كربلاء حاله حال أي زائر آخر، وقد رتبت له بعض الأمور داخل العراق وفي كربلاء. واتفقنا أن نلتقي الأربعاء ليلاً أو الخميس في كربلاء.

وصل مهران وترك سيارته في الكراج، ثم وصل إلى منفذ مهران حوالي الساعة العاشرة والنصف ليلًا. تواصلت معه مرة أخرى الساعة الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، وإذا به يقول: رجعت إلى تبريز وحاليًا قرب إيلام.

سألته:

ــ حامد، ما السبب؟ ماذا حصل لك كي ترجع؟ المسافة من مهران إلى كربلاء خمس ساعات، بينما إلى تبريز تحتاج أكثر من 16 ساعة.

أخبرني أن مبلغ الـ (80 ألف) تم سرقته من أخته في المنفذ الإيراني، وأنه قدم بلاغًا لكن دون جدوى، ولا سبيل أمامه غير العودة إلى تبريز.

طلبت منه الاطمئنان أولاً، ومن ثم الرجوع إلى مهران، وأن شاء الله قبل أن يصل إلى الجوازات الإيرانية تكون الأمور في طريقها إلى الحل. اعتذر، وحاول إقناعي بعدم عودته.

قلت له:

ــ يا أخي، قضيتك سهلة جدًا، الحسين يحلها لك ولأختك.

بما أننا نتمكن، ومن فضل الله تعودنا أن نقدم سنويًا شيئًا ولو بسيطًا إلى زوار الحسين، قدمت في الأيام الماضية القليل، وعصر يوم أمس اتفقت، كما في كل مرة، مع الأخ السيد سعد الموسوي أن نذهب لنشتري بعض الأشياء لتوزيعها ليلاً للزوار القادمين، لكن لا أعرف كم هو المبلغ المتبقي عندي.

أبلغني السيد سعد الموسوي أن سيارته تعطلت عصر أمس بصورة مفاجئة، وطلب أن نؤجل موضوع التوزيع إلى اليوم التالي. فكرة جيدة ومناسبة ومقبولة.

حامد صار قريبًا على الجوازات الإيرانية، لكنه يسير بخطى متثاقلة جدًا، وفي حال سيء للغاية، هكذا بدا لي أو هكذا أبلغني، فهو محرج أمام أخته الطفلة، إضافة إلى تعب الطريق وخسارته الزيارة.

رفعت الحاسبة عن المنضدة قليلاً، وسحبت المبلغ المتبقي والمخصص لزوار الحسين، فكان المتبقي 115 ألف دينار.

هدأت حامد وطلبت أن يرسل لي صورة الكارت البنكي له، لكنه ظل يماطل بين الخجل والإحراج. هو شاب مرتب يعمل في تبريز بأجر بسيط مع شخص لديه معرض للسيارات.

وصلتني صورة الكارت، وعندها تواصلت مع الأخ باسم العابدي، أبو حسنين، صاحب منفذ الصدرين في سوق البورصة بالكوت، وأرسلت له صورة الكارت، وطلبت منه تحويل المبلغ الموجود إلى الكارت، طبعا التحويل بالتومان.

هناك في مهران، حامد وأخته يجلسان على الرصيف قرب الجوازات الإيرانية، ويهمان بالعودة إلى تبريز، ولا حل أمامهما غير العودة.

في أقل من نصف ساعة وصلهم المبلغ، وطار فرحًا وقال:

ــ أقسم بالإمام الحسين، لقد بكت أختي فرحًا.

في الصباح تواصلت معه، وأبلغني أنه في الطريق إلى كربلاء، وهناك لافتة مرورية كتب عليها: “كربلاء 68 كم”.

سألته عن الأجرة، فقال: السائق أخذ عن كل نفر 20 دينار (يعني 20 ألف).

بالصدفة، حامد وأخته يجلسان في مقعد الستاركس الأمامي جنب السائق.

قلت له:

ــ مبلغ الأجرة كبير، أعطني رقم السائق.

تكلمت مع السائق بروح طيبة، وقلت له:

ــ هؤلاء ضيوف الحسين، ولا يجوز استغلالهم بهذه الطريقة، وأنك أخذت أكثر من السعر المقرر، فأما أن تعيد لهم الزيادة، أو أطلب منهم يرسلون لي رقم سيارتك، وبدوري أبلغ مفارز مرور واسط بذلك.

الرجل بكل ممنونية أرجع لكل شخص خمسة آلاف دينار، وتعهد بأنهم سوف يوصلهم إلى أقرب نقطة وقوف المركبات في كربلاء.

طبعًا هيأت لحامد وأخته مكان استراحة وضيافة وخدمة كاملة عند أحد الأصدقاء في كربلاء، لحين التقيهم هناك يوم الخميس القادم ليعودوا معي إلى الكوت، ونستضيفهم كم يوم حسب رغبتهم.

في آخر المطاف قال حامد الإيراني:

ــ حاجي، سوف أشتري لك سيارة جميلة من المعرض الذي أعمل فيه، وأسدد سعرها لصاحبه من أجوري. هذه هدية لما قدمته لنا، وأختي لا تزال تبكي فرحًا.

ــ شكرًا حامد، لم أفعل لكم شيئًا يذكر. الحسين أكرمكم، وأرادكم تزوره، وما نحن إلاّ بخدمة الحسين عليه السلام وخدمة زواره.

ــ إذا حسبت هذا الموقف كبير فهو لا يساوي شيئًا أمام مواقف العراقيين الذين يقدمون الخدمة بلا حدود لزوار الحسين.

بهاتين القصتين، يظهر أن طريق الحسين ليس مجرد مسير إلى كربلاء، بل هو ميدان امتحان للقلوب والضمائر، فيه مواقف تفضح خبث النفوس، وأخرى تخلّد معاني الوفاء والإيثار.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان