
بقلم / احسان باشي العتابي
في ظل واقع مؤلم يثقل الصدور، وتحت وطأة الخيبات المتراكمة التي صنعها جهل واطماع البعض ،وغياب الضمير الشبه جمعي، وجدت نفسي ابحث عن مساحة صادقة اتنفس فيها شيئا من الطهر، فكانت وجهتي نحو من احب… اولئك الذين غابوا بأجسادهم، لكن حضورهم ما زال يملأ الذاكرة والوجدان.
قصدت مدافنهم واحدا تلو الاخر، لا افرق بين قبر واخر، فجميعهم اخذوا معهم جزءا مني ومن هذا الوطن الذي احبوه حتى الرمق الاخير. لكن في لحظة صفاء داخلي، خيل الى ان الصمت الذي يخيم على قبورهم كان يحمل شيئا من العتاب.
تساءلت مع نفسي: لعلي مقصر؟ فقررت ان استوضح الامر، فكانت البداية من زميل المهنة الاكبر سنا الصحفي هادي المهدي.سألته بصوت خافت يشبه همس انسان اشقته ظروف الحياة العصيبة:
زميلي المحترم،اراك ممتعضا،هل ضايقتك زيارتي؟
ابتسم بتلك الابتسامة الرقيقة وقال:
زيارتك افرحتني يا زميلي المحترم ،لكنها احزنتني في الوقت نفسه.
قلت بدهشة:
وكيف ذلك؟
فاجابني:
كيف تزورني، وتغفل عن زيارة زميلتنا الخلوقة اطوار بهجت بنت العراق وضحية مهنة المتاعب؟ الا تعلم ان لها علينا حقوقا كثيرة ،كما تعلمنا ذلك كله بادبياتنا الاخلاقية الشخصية والمهنية؟
اطرقت خجلا وقلت: صدقت يا زميلي المحترم ،اذا ساقصد قبرها اولا لاعود اليك لاحقا.
اتجهت نحو قبر زميلتي اطوار، فسمعتها – او هكذا خيل الي – تعاتبني قائلة:
يا زميلي المحترم ،كيف تفضل زيارتي على زيارة من يكبرني او يصغرني سنا؟ الا تعلم ان لكل خصوصيته واحترامه؟ ثم اضافت بصوت مفعم بالحنان والتواضع:
زميلي المحترم، توجه لزيارة مدافن احبتنا من ابناء وبنات تشرين، ففقدهم عظيم، وابدا من قبر حيدر الزاملي فهو اصغرهم سنا.
وبالفعل توجهت الى قبره، وما ان رآني حتى قال:
يا عم، زيارتك اسعدتني جدا ، لكني اعتب عليك.
فسألته: ولم يا بني؟
اجابني بابتسامة يملؤها الطهر:
نعم، انا اصغر ضحايا الوطن في ثورة تشرين، لكن ارجوك، اقصد قبر رهام يعقوب والبقية من حرائر العراق، فلهن السبق بالثناء والتقدير والاحترام.
بقيت ادور بين القبور، من شهيد الى اخر، من عاشق للوطن الى عاشقة له ،حتى وجدت نفسي غارقا في بحر من الرموز والذكريات. عندها تساءلت بصوت عال:
اليس جرما ان يقتل من يحمل في قلبه هذا القدر من النقاء تجاه الاخرين، وهذا العشق للوطن؟
غادرت المكان مثقلا بالاسى كما اتيت، بل اشد وجعا، لكني تركت هناك شيئا من قلبي بين القبور… وشيئا من الامل، بأن ياتي يوم يكرم فيه من احب العراق بدل ان يغتال حبه له..وسأبقى انا ومن يشاركني النهج نعزف نشيد الحرية، بأمل ان يتجسد واقعا في يوم ما ،على ارض ” مهد الحضارات ” العراق.