
بقلم:احسان باشي العتابي
اثار قرار مصادقة هيئة الراي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على ترقين قيد الطالبة دنيا من جامعة الكتاب في محافظة كركوك وفصلها نهائيا من الدراسة، على خلفية ظهورها بملابس وصفت بانها مخالفة للضوابط والتعليمات الجامعية خلال حفل تخرجها، جدلا واسعا في الاوساط العراقية. وقد بدا واضحا ان اغلب الاراء التي تناولت القضية لم تويد حجم العقوبة المتخذة، معتبرة انها جاءت قاسية الى الحد الذي ادى الى ضياع سنوات من الجهد الدراسي والحاق ضرر بالغ بمستقبل الطالبة.
لا خلاف على ان الحرية الشخصية لا تعني الانفصال عن المجتمع او تجاهل قيمه وتقاليده، بل تقوم في جوهرها على التوازن بين حق الفرد في التعبير عن نفسه وواجب احترام البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. كما ان الحرم الجامعي يمتلك خصوصية اكاديمية وتربوية ينبغي مراعاتها، شانه شان اي موسسة لها انظمتها وضوابطها التي تنظم سلوك المنتسبين اليها.
ومن هذا المنطلق، قد يرى البعض ان ما حدث من الطالبة يمثل تجاوزا لتلك الضوابط او خروجا على ما يعد مالوفا في المجتمع العراقي.
غير ان المسوولية لا ينبغي ان تلقى كاملة على عاتق الطالبة وحدها. فادارة الجامعة وعمادة الكلية ورئاسة القسم تتحمل جزءا مهما من المسوولية عما جرى.اذ كان من الواجب وضع تعليمات واضحة ومعلنة بشان حفلات التخرج، ومتابعة تنفيذها ميدانيا، والاشراف على تفاصيل الحفل بما يمنع وقوع اي مخالفة قد تثير الجدل لاحقا. فالموسسات التعليمية لا يقتصر دورها على المحاسبة بعد وقوع الخطا، بل يمتد الى التوجيه والوقاية ومنع الاشكالات قبل حدوثها.
ومن هنا، فان معالجة مثل هذه القضايا تستوجب قدرا من الحكمة والتدرج في العقوبات، بحيث يتحقق الهدف التربوي دون الاضرار بمستقبل الطالب او الطالبة. فالجامعة ليست موسسة عقابية-ان جاز الوصف- بقدر ما هي موسسة تعليمية وتربوية، ومهمتها الاساسية بناء الانسان وتاهيله للحياة وخدمة المجتمع.
اننا لا نفرض رايا على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لكننا نلتمس منها ان تتعامل مع هذه القضية بروح القانون _ان كان هنالك نص قانوني يحتم العقوبة التي اقرتها الهيئة على حالة الطالبة _ وروح الابوة التربوية في ان واحد. فالطلبة بحاجة الى التوجيه والتقويم اكثر من حاجتهم الى العقوبات التي قد تنهي مسيرتهم العلمية بالكامل. ويمكن ان تكون هذه الحادثة درسا ورسالة واضحة لكل من يفكر مستقبلا في تجاوز الضوابط او الاصطدام بثقافة المجتمع وقيمه، من دون ان يتحول ذلك الى سبب لهدم مستقبل شاب او شابة امضيا سنوات من عمرهما في طلب العلم.
ان احترام الحريات العامة قيمة اساسية في اي مجتمع، لكن الحرية تبقى مسوولية قبل ان تكون حقا. ومن اولى مسوولياتها مراعاة مشاعر المجتمع واحترام خصوصياته الثقافية، حتى عندما لا يتفق الفرد معها بالكامل. وفي المقابل، فان من مسوولية الموسسات ان تمارس سلطتها بروح الاصلاح والتقويم، لا بروح الاقصاء والعقاب النهائي، لان الغاية من التربية هي صناعة المستقبل لا اغلاق ابوابه.
ختاما، فاننا ندعو كل من اندفع الى انتقاد الطالبة دنيا او التشهير بها الى ان يتذكر ان الخطا جزء من الطبيعة البشرية، وان الانسان لا يقاس بلحظة واحدة من حياته. فلا ترموها بحجر القسوة، بل ساعدوها على فهم طبيعة المجتمع الذي تنتمي اليه ومتطلبات العيش فيه. ولنتذكر جميعا ان في واقعنا العراقي اخطاء وتحديات اكبر واخطر تمس حياة الملايين ومستقبل الوطن، وهي اولى بأن تستنفر طاقاتنا وجهودنا في النقد والاصلاح، حفاظا على مجتمعنا ومستقبل اجيالنا.