
بقلم:احسان باشي العتابي
انا واثق تمام الثقة ان عنوان هذا المقال سيثير حفيظة كثيرين، ولا سيما اولئك الذين ينظرون الى الدين باعتباره حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. واخص بالذكر اتباع الاسلام، لان نصوصهم الدينية تناولت الخمر بوصفها من كبائر المحرمات، ووصفتها بانها “ام الخبائث”. لكنني ارجو من القارئ الكريم اللبيب ان يتجاوز رد الفعل العاطفي الاولي، وان يقرا ما ساطرحه بعين العقل لا بعين الموروث الذي يعتبره من المسلمات.
فنحن هنا لا نتحدث وفق منطق التلقين، ولا وفق ما اعتاد الناس على تكراره جيلا بعد جيل، بل وفق منطق الملاحظة والواقع والنتائج الملموسة.
فاذا نظرنا الى العالم، خصوصا خلال القرون الاخيرة منذ انطلاق الثورة الصناعية، سنجد ان المجتمعات التي حققت اعظم المنجزات العلمية والطبية والتكنولوجية والصناعية ليست تلك التي جعلت همها الاول مراقبة ما يشربه الناس او ما ياكلونه، بل تلك التي جعلت العقل والبحث العلمي والحرية الفكرية اساسا لبناء نهضتها.
لقد انشغلت تلك الشعوب بالجامعات والمختبرات ومراكز البحث، وبالاستثمار في الانسان والعلم والمعرفة، فكانت النتيجة ان قادت العالم في مجالات الصناعة والطب والهندسة والتكنولوجيا. اما كثير من المجتمعات التي ما زالت اسيرت التفكير الديني التقليدي، فقد وجدت نفسها في ذيل الامم، رغم ما ترفعه من شعارات عن امتلاك الحقيقة المطلقة.
والمفارقة اللافتة للنظر ان الكثير من المجتمعات الاسلامية التي لا تتوقف عن الحديث عن تفوقها الاخلاقي والديني تعتمد في حياتها اليومية بشكل شبه كامل على منجزات انتجتها مجتمعات تصفها بعض خطاباتها الدينية بالكفر او الضلال.
فالهاتف الذكي، والحاسوب، الذين تنشران من خلالهما الفتاوى، والطائرة التي تنقل الدعاة، والمستشفيات التي تعالج المرضى، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تستخدم للدفاع عن العقائد، كلها ثمرة عقول عملت وفق منهج البحث والتجربة والعلم، لا وفق منهج التحريم والتخويف من السوال.
وهنا يبرز سوال مشروع:
اذا كانت الخمرة تذهب العقل كما يقال، فكيف استطاعت المجتمعات التي تبيح استهلاكها ان تحقق هذا المستوى من التقدم العلمي والتنظيم والابداع؟ وكيف استطاعت ان تبني دولا وموسسات تحترم القانون وتنتج المعرفة وتوفر مستويات عالية من الرفاهية لمواطنيها؟ حتى ان كثيرين من ابناء تلك المجتمعات الاسلامية،اخذو يصفون تلك البلدان بانها تشبه”الجنة”،اعتمادا على وصف كتابهم القران للجنة.
وفي المقابل، لماذا غرقت مجتمعات التحريم المطلق، التي جعلت الحلال والحرام محورا اساسيا في حياتها العامة، في مستنقعات التخلف والصراعات الطائفية والفساد والانقسامات السياسية؟ لدرجة انهم يلعنون الاقدار التي جاءت بهم الى الحياة الدنيا، او ربما تحديدا على بقعة الارض التي ولدوا عليها،والتي يدين المجتمع فيها بدين الاسلام وهذا ليس مبالغة او تجني بقدر ما هو واقع ملموس.
قد يعترض البعض بالقول ان تحريم الخمر لا يتعلق بالعلم او الابداع، بل بالاثار الاجتماعية والاخلاقية المترتبة على تعاطيها. وقد يكون هذا الاعتراض وجيها من حيث المبدا. لكن الملاحظة الواقعية تكشف ان كثيرا من الموبقات التي يخشى من الخمر ان تودي اليها موجودة بكثرة في مجتمعات التحريم نفسها، بل ان بعضها يعاني مستويات مرتفعة من العنف والفساد والكراهية والتمييز والانقسام الاجتماعي رغم التمسك الظاهري بالتعاليم الدينية.
اما في كثير من الدول التي تسمح للبالغين باستهلاك المشروبات الكحولية ضمن ضوابط قانونية، فان تلك الظواهر لا تبدو بالحجم الذي يصوره الخطاب الديني التقليدي، بل غالبا ما يجري التعامل معها عبر القانون والتعليم والموسسات المدنية، لا عبر الوعظ والتخويف.
ان المشكلة الحقيقية ليست في كاس خمر يشربه انسان باعتباره خيارا شخصيا، بل في عقل جرى تعطيل قدرته على السوال والنقد واعادة التفكير. فحين يتحول الانسان الى مجرد تابع يكرر ما ورثه دون تمحيص، يصبح اكثر استعدادا للخضوع لاي سلطة تتحدث باسم المقدس.
واخطر انواع السكر ليس ذلك الذي تسببه الخمرة لساعات معدودة، بل ذلك الذي تسببه العقائد عندما تتحول الى قيود تمنع التفكير الحر. فالخمرة قد تغيب وعي الفرد مؤقتا، اما الاوهام المقدسة فقد تغيب وعي مجتمعات باكملها لاجيال طويلة،والواقع خير شاهد حي على ذلك التغييب الممنهج.
لقد اثبت التاريخ ان تقدم الامم لم يكن مرتبطا بدرجة تدينها او بعدم تدينها، بل بمدى احترامها للعقل والحرية وحق الانسان في التفكير والبحث والنقد. فكل انجاز حضاري كبير كان نتيجة سوال جريء، وفكرة جديدة، وتجربة علمية، لا نتيجة الخوف من التفكير او تقديس الماضي.
قد يغضب البعض من هذا الكلام، لكن الحقيقة لا تقاس بحجم الغضب الذي تثيره، بل بقدرتها على الصمود امام العقل والمنطق. اما الافكار التي لا تستطيع مواجهة النقد، فهي لا تحتاج الى خصوم يهزمونها، بل يكفي ان تترك وحدها امام الاسئلة الحرة.