
بقلم:محمد رشيد
منذ أن سقط أول دم على وجه الأرض، حين امتدت يد قابيل لتطفئ براءة هابيل، لم تكن الحكاية مجرد جريمة فردية، بل كانت بذرةً خفية زُرعت في أعماق النفس البشرية. تلك اللحظة لم تُنهِ حياة إنسان فحسب، بل أطلقت سلسلة طويلة من الصراعات التي تناسلت عبر الأجيال، وكأنها جينات غير مرئية تنتقل من روح إلى أخرى.
إن “أحفاد قابيل” ليسوا أولئك الذين قتلوا وسفكوا الدماء ، بل هم السبب الرئيسي في كل ضحية اسدل الستار عليها بسبب نزعة العدوان المتجذرة في الإنسان. في المقابل، فإن “جينات القتل” ليست بيولوجية بالمعنى العلمي، بل هي تراكمات نفسية وثقافية: الخوف، الطمع، الشعور بالنقص، والرغبة في السيطرة. هذه العناصر، حين تجتمع، تتحول إلى وقود يشعل الحروب.
لقد حاول الإنسان عبر التاريخ أن يبرر عنفه بشعارات متعددة: الدين، القومية، الأمن،الشرف أو حتى الحرية. لكن الحقيقة العارية تبقى واحدة: هناك ميل داخلي لم يُهذَّب بالكامل، ميل يرى في الآخر تهديدًا، وفي إقصائه خلاصًا. وهنا تكمن خطورة هذه “الجينات”، فهي لا تعمل بصمت فحسب، بل تُورَّث عبر التربية، والخطاب، والذاكرة الجمعية.
الحروب ليست وليدة لحظة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الكراهية غير المعالجة. طفلٌ ينشأ على خطاب الكراهية، وشابٌ يتربى على فكرة التفوق، ومجتمعٌ يُغذّي الانقسام والطائفية … كل ذلك يُعيد إنتاج المشهد الأول، مشهد قابيل وهابيل، ولكن بأدوات أكثر تطورًا ودمارًا.
ومع ذلك، فإن القصة لا تنتهي عند الدم. فكما وُجد القاتل، وُجد الضمير الذي استيقظ بعد الجريمة. وهنا تكمن فرصة الإنسان: أن يختار كسر هذه السلسلة. فالجينات الثقافية يمكن إعادة تشكيلها، ويمكن استبدالها بمبادئ المخبة وقيم التسامح ونشر العدالة، والاعتراف بالآخر.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نقتل؟ بل: لماذا لم نتعلم بعد كيف نعيش معًا؟
وهل سنبقى أسرى لأول جريمة في التاريخ، أم نكتب فصلًا جديدًا يكون فيه أحفاد قابيل صُنّاع حياة لا ضحايا موت؟
في النهاية، الحروب ليست قدرًا محتومًا، بل خيارًا بشريًا…
وكما بدأ الإنسان القتل، يستطيع أن يبدأ السلام.