• img

النظرة القاصرة تهدم ..اكاديميات الزراعة مهملة..الزراعة نحو الهاوية

مارس 01, 2026

 

بقلم: احسان باشي العتابي

 

ثمانية طلاب فقط…

 

ليس هذا رقم شعبة دراسية في مدرسة اهلية، بل عدد خريجي احد اقسام كلية الزراعة – جامعة بغداد لهذا العام _بحسب ما اعلن _. ثمانية اسماء تغادر مقاعد الدراسة في اختصاص يفترض انه يشكل احد اهم اعمدة الامن الغذائي للعراق. رقم يبدو بسيطا… لكنه في حقيقته جرس انذار مدو في بلد يعاني التصحر، وشح المياه، وتراجع الانتاج المحلي، واعتمادا متزايدا على الاستيراد.

 

حين تختزل طموحات العائلات بالطب والهندسة حصرا، وحين يقاس النجاح بلقب اجتماعي لا بحاجة وطنية، تصبح الزراعة خيارا اخيرا لا خيارا استراتيجيا. وهنا تبدا الاسئلة الموجلة: من سيطور البذور؟ من سيعالج ملوحة التربة؟ من سيبتكر تقنيات ري حديثة؟ من سيواجه تحديات التغير المناخي التي تضرب ارض الرافدين بلا رحمة؟

 

الازمة لم تعد ازمة قطاع،بل ازمة وعي واتجاه مجتمعي.

 

الزراعة اليوم ليست محراثا وتقليدا قديما، بل علم متقدم يتقاطع مع التكنولوجيا والاقتصاد والبيئة والامن القومي. الدول التي تحترم امنها الاستراتيجي تدرك ان الغذاء هو الاستقلال الحقيقي، وان السيادة تبدا من رغيف الخبز.

 

تجارب العالم تثبت ان عزوف الشباب عن الزراعة لا يعالج بالشعارات، بل بسياسات حقيقية تجعل من هذا التخصص طريقا واضحا لحياة كريمة.

 

في هولندا، تحولت الزراعة الى قطاع عالي التقنية. جامعة جامعة فاخينينجن تعد من افضل الجامعات الزراعية عالميا، وخريجوها يدخلون مباشرة في مشاريع مدعومة حكوميا.

 

الدولة هناك توفر:

 

*قروضا ميسرة للخريجين.

 

*دعما لانشاء البيوت الزجاجية الذكية.

 

*ربطا مباشرا بين البحث العلمي والاستثمار.

 

*تسهيلات واسعة للتصدير.

 

والنتيجة ان هولندا، رغم صغر مساحتها، تعد من اكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم.

 

في تركيا، اطلقت الحكومة برامج تستهدف الخريجين والشباب:

 

*منح اراض زراعية بشروط ميسرة.

 

*تقديم معدات وبذور مدعومة.

 

*دعم مشاريع الري الحديثة.

 

*اعفاءات ضريبية لسنوات محددة.

 

وفي بعض البرامج، تمنح الارض للخريج وتملك له بعد سنوات من الالتزام والانتاج. النتيجة كانت تقليل البطالة الريفية وتعزيز الصادرات الزراعية.

 

في الولايات المتحدة، تقدم وزارة الزراعة الامريكية برامج متخصصة لدعم “المزارع المبتدئ”، تشمل:

 

*قروض منخفضة الفائدة.

 

*برامج تدريب وارشاد زراعي.

 

*تامين زراعي مدعوم.

 

*دعم مباشر لبعض المحاصيل.

 

الخريج الزراعي هناك لا يترك وحيدا امام مخاطر المناخ والسوق، بل تحيط به منظومة دعم متكاملة.

 

ماذا يعني هذا للعراق؟

 

اذا كانت تلك الدول قد حولت الزراعة الى مصدر فخر وازدهار، فكيف لبلد كان يعرف تاريخيا “بارض السواد” ان يعجز عن جذب الطلبة لدراسة هذا التخصص؟

 

ثمانية خريجين فقط تكشف خللا في:

 

*سياسات التوجيه التربوي.

 

*ضعف الحوافز الاقتصادية.

 

*غياب الضمانات الوظيفية.

 

*الصورة الذهنية السلبية عن العمل الزراعي.

 

المعالجة لا تكون بالعاطفة، بل بخطة وطنية واضحة، تبدا:

 

*منح اراض زراعية للخريجين بشروط يسيرة.

 

*توفير الاليات والبذور والاسمدة بالتقسيط المريح.

 

*ضمان شراء المحاصيل باسعار عادلة.

 

*تمليك الارض بعد سنوات من الالتزام والانتاج _ان لم يكن فيها ضرر على المصالح العليا للبلد _.

 

*ربط كليات الزراعة بالمشاريع الاستثمارية الحديثة.

 

*ادخال التكنولوجيا الزراعية لرفع جاذبية التخصص.

 

لو طبقت مثل هذه السياسات، فان النتائج لن تقتصر على تشغيل خريجين، بل ستنعكس على:

 

*تقليل البطالة.

 

*تعزيز الامن الغذائي.

 

*تقليل الاستيراد.

 

*فتح باب التصدير كمورد اقتصادي اضافي.

 

*بناء حياة كريمة ومستقرة لشريحة واسعة من الشباب.

 

ثمانية خريجين فقط…موشر خطير جدا.

 

فالاوطان لا تسقط فقط بالحروب، بل قد تسقط حين تهمل مصادر بقائها. والزراعة ليست خيارا ثانويا، بل قضية وجود.

 

ومن لا يحمي ارضه… سيجد نفسه يوما مضطرا لشراء قوته بشروط الاخرين صاغرا رغم انفه،او يلاقي حتفه.

 

الخلاصة:

 

نحتاج لحملة توعية رصينة ،تبين اهمية الزراعة وسبل تطويرها ؛لتكون سلاحا حاضرا على مر الازمنة للدفاع عن البلد، تقودها جميع العناوين في المجتمع العراقي،والا فان الندم لن ينفع بعد فوات الاوان.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان