• img

احذروا محاكم التفتيش مجددا…قراءة من واقع العراق اليوم

فبراير 28, 2026

 

بقلم : احسان باشي العتابي

عرفت اوربا في القرون الوسطى واحدة من اكثر المراحل قتامة في تاريخها، تمثلت في صعود محاكم التفتيش التي مارست القمع باسم الايمان، واحتكرت تفسير الحقيقة، وحولت المقدس الى اداة للاتهام والادانة لا للموعظة والاصلاح. ورغم ان تلك التجربة باتت تدرس اليوم بوصفها نموذجا لانحراف السلطة الدينية، الا ان منطقها لا يزال يعاد انتاجه في اماكن اخرى، وبصيغ مختلفة، من بينها ما يجري في العراق المعاصر.

في جوهر عمل محاكم التفتيش لم يكن الهدف حماية العقيدة بقدر ما كان فرض الطاعة، اذ جرى اختزال الايمان في قراءة واحدة لا تقبل النقاش. كل راي مخالف، او تساول خارج الاطار المرسوم، عد تهديدا للنظام القائم، لا اجتهادا فكريا. هذا الاحتكار للحقيقة الغى العقل، وجرد الفرد من حقه في التفكير، وجعل الاتهام سابقا على البراءة.

المشهد ذاته يتكرر اليوم حين ترفع لافتة “المقدس”في مواجهة اي راي ناقد او موقف مخالف. فبدل ان يكون النقاش حول السياسات، او الاداء العام، او الفساد، يجري نقل الخلاف الى ساحة التخوين العقدي والاخلاقي. توجه التهم الجاهزة، ويستخدم الوصف الديني او الرمزي كسلاح لاسكات الاصوات، دون اللجوء الى منطق الدليل او الحوار.

وقد اعتمدت محاكم التفتيش على بث الرعب بوصفه وسيلة لضبط المجتمع. لم يكن المطلوب اقناع الناس، بل اخافتهم. والرسالة كانت واضحة: التفكير خارج المسموح ثمنه باهظ. في الواقع العراقي، تتكرس الالية نفسها عندما يتحول التخوين والتشهير، وربما القمع، الى اداة ردع جماعي، هدفها دفع المجتمع الى الصمت لا الى الاقتناع.

الاخطر في هذا المسار ان المقدس، حين يفصل عن قيمه الاخلاقية، يتحول من مرجعية روحية الى غطاء للنفوذ. فبدل ان يكون الدين او الرمز الاخلاقي حافزا للعدل والمساءلة، يستخدم لتبرير الاقصاء، وحماية الفساد، وادامة واقع سياسي واجتماعي مختل. وهنا لا يقع الضرر على الافراد وحدهم، بل على فكرة المقدس نفسها، حين تفرغ من معناها الانساني.

ان تجربة اوربا مع محاكم التفتيش تقدم درسا تاريخيا بالغ الوضوح: المجتمعات التي تصادر فيها العقول باسم الايمان، وتقمع فيها الاسئلة باسم الثوابت، محكوم عليها بالركود والانقسام. وما يواجهه العراق اليوم ليس صراعا بين ايمان وكفر، بل اختبار حاسم بين دولة القانون ومنطق المحاكم غير المعلنة، بين قدسية القيم واحتكارها.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المقدس داخل المجتمع، بل في تحويله الى سلطة فوق النقد، واداة خارج المحاسبة. وحينها، يعيد التاريخ نفسه، لا بوصفه ذكرى، بل كواقع حي،بثمن تدفعه الدولة والمجتمع معا.

والخاتمة هي سوال ينتظر الاجابة:

هل نتعلم من تلك التجربة، ام نعيد انتاجها باسماء وعناوين وشعارات جديدة؟

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان