
بقلم : احسان باشي العتابي
ليس التركيز المتكرر على حقبة عبد الكريم قاسم نابعا من نزعة حنين عاطفي، ولا من بحث متاخر عن مكسب سياسي او مصلحة شخصية. فالرجل غادر الحياة منذ زمن طويل، ونظامه اسقط بفعل الموامرات والصراعات التي قادتها التيارات القومية والبعثية قبل عقود، ولم يعد حاضرا في معادلة السلطة او النفوذ بما يسمح باستثماره او المساومة عليه.
ومن هنا، يبرز السوال الحقيقي: ما الذي يدفعنا اليوم الى اعادة الكتابة عنه؟
الجواب، ببساطة ووضوح، هو مصلحة البلد. فاستدعاء هذه الحقبة لا يهدف الى احياء نظام منقرض، ولا الى فتح جراح ايديولوجية تجاوزها الزمن، بل ياتي في اطار محاولة واعية لتوعية الراي العام العراقي، عبر اعادة قراءة تجربة حكم شكلت، رغم قصرها، علامة فارقة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
ان عبد الكريم قاسم لا يستدعى بوصفه “رمزا مقدسا”، ولا باعتباره منقذا اسطوريا، بل كنموذج سياسي واخلاقي يمكن القياس عليه. نموذج لحاكم لم يعرف بتكديس الثروات، ولا بتوريث السلطة، ولا باغراق الدولة في صراعات عبثية تخدم النخب على حساب المجتمع. ولهذا السبب تحديدا، ظل اسمه حاضرا في الذاكرة الشعبية، في وقت تلاشت فيه اسماء كثيرة امتلكت منابر اقوى وسلطات اوسع، لكنها لم تترك اثرا يفرض احترامه.
اما تلك القوى والتيارات التي سبقته واعقبته، فان الذاكرة، ان استدعتها، لا تفعل ذلك الا لتذكر ببعضها او كلها بوصفها نماذج للفشل، تدفع القريب قبل البعيد الى النفور منها، نتيجة ما خلفته من ممارسات مخزية على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والانسانية.
ان اعادة الكتابة عن قاسم هي فعل نقدي للحاضر قبل ان تكون استحضارا للماضي. فهي تسليط للضوء على الفجوة الواسعة بين ما كان ممكنا ان يكون، وما آل اليه واقع الحكم اليوم. وحين تعجز التجربة المعاصرة عن تقديم نموذج يبعث على الثقة، يلجا المجتمع، بطبيعته، الى الذاكرة بحثا عن معيار يقاس به الاداء، لا هروبا من الواقع، بل فهما له ومساءلة له.
وهو معيار لا علاقة له بالسماء او الغيب، بل بالقيم الانسانية والاخلاق السياسية التي صنعت صورة مشرقة لحاكم لم يستمد شرعيته من الشعارات، بل من سلوكه ومسووليته تجاه الناس.
ان استحضار تجربة عبد الكريم قاسم اليوم لا يعني اننا نعيش في الامس، بل لان الحاضر، حتى الان، ما زال عاجزا عن تقديم ما يستحق ان يكتب عنه بالقدر نفسه من النزاهة والاحترام.
وهذه، في جوهرها، ليست مشكلة ذاكرة…
بل مشكلة واقع.