
بقلم / احسان باشي العتابي
ليس من باب الحنين الى الماضي، ولا من زاوية التقديس او الشيطنة، تستحضر التجارب السياسية في تاريخ الدول، بل من باب القياس العقلي ومعيار الدولة بوصفها فعلا ومسوولية لا خطابا وذرائع. فالتاريخ، حين يقرا بانصاف، يتحول الى مرآة كاشفة تفضح منطق الحكم، وتسقط المبررات الجاهزة التي يتكئ عليها الفشل. ومن هذا المنطلق، تفرض المقارنة بين تجربة عبد الكريم قاسم وتجارب من حكموا العراق بعد عام 2003 نفسها، لا بوصفها مقارنة اشخاص، بل مقارنة منطق دولة مقابل منطق اعذار.
منذ انطلاق ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، واجه مفجرها عبد الكريم قاسم واقعا سياسيا شديد التعقيد، اذ لم يكن محاطا بالاجماع او القبول، بل على العكس تماما؛ فقد اصطفت ضده قوی متعددة ومتباينة، بدءا من اتباع النظام الملكي، مرورا بالقوميين والبعثيين، وصولا الى اطراف اقليمية ودولية لم تكن راغبة بقيام جمهورية عراقية مستقلة القرار. ورغم هذا المشهد المليء بالخصومات والمؤامرات، لم يتخذ عبد الكريم قاسم من كثرة الاعداء شماعة يعلق عليها الفشل اذا ما وقع ، بل انصرف الى العمل الميداني، وترك اثرا ملموسا على الارض في مختلف القطاعات الى يومنا هذا ،واضعا خدمة العراق فوق كل اعتبار،الى ان اطيح بحكومته بانقلاب قادته قوى داخلية، كانت بوعي او بدونه، ادوات لمشاريع دول معادية للعراق.
في المقابل، ومنذ عام 2003 وحتى اليوم، اعتاد الراي العام على سماع خطاب متكرر من الطبقة الحاكمة، مفادها “اعداء الشيعة” لم يسمحوا باعمار المحافظات ذات الغالبية الشيعية فضلا عن بقية محافظات العراق، في تبرير دائم للفشل وسوء الادارة. هذا الخطاب يثير تساولات مشروعة، خصوصا وان هذه القوى نفسها تعلن ليلا ونهارا، انها تمثل الاغلبية وتمسك بمفاصل الدولة كافة: تشريعا، وتنفيذا، وقرارا.
هل الاعداء – المزعومون – هم من دفعوا بعض الجهات الى مساومة الشركات المنفذة للمشاريع التي من شانها تنهض بالبلد؟
هل الاعداء هم من جعلوا المناقصات تباع من شخص الى اخر ومن جهة الى اخرى؟
هل الاعداء هم من انتجوا مشاريع فاشلة لا ترقى حتى لان تقدم كمساعدة رمزية او منحة تقديرية لدولة تحترم؟
ان ما يجري لا يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما:
اما ان هذه الطبقة غير موهلة اصلا لادارة بلد بحجم العراق وتعقيداته.
واما انها مجرد ادوات جاءت بها ظروف الاحتلال لتنفيذ اجندات خارجية غايتها افراغ العراق من مقوماته، وانهاوه كدولة فاعلة على المستويات كافة.
هكذا يحكم منطق العقل، وما عدا ذلك ليس سوى ذرائع مستهلكة، وترهات مكرورة، واكاذيب مكشوفة لا يمكن ان تنطلي حتى على طفل مميز برجاحة عقله.