• img

الشعائر الدينية بين الممارسة وحكم المنطق

فبراير 03, 2026

قراءة تحليلية للواقع العراقي العقدي

بقلم / احسان باشي العتابي

في العراق، حيث تتقاطع القداسة مع تفاصيل الحياة اليومية، تبرز اشكالية حقيقية في التعامل مع بعض الممارسات الدينية، لا من حيث اصلها التعبدي، بل من حيث اثارها الواقعية على المجتمع. فالقاعدة الفقهية والعقلية المستقرة تقضي بأن الحكم على الافعال يدور مدار المنفعة والضرر؛ فما كانت منفعته راجحة ولا يترتب عليه اذى فهو في دائرة الاباحة، وما استتبع ضررا واضحا، فرديا كان ام عاما، يدخل دائرة الحرمة او الاشكال الشرعي، حتى وان كان في اصله جائزا.

انطلاقا من هذا المبدا، يمكن تناول ظاهرة مواكب الخيول والجمال في الزيارات الدينية، ولا سيما في زيارة الامام موسى الكاظم (عليه السلام)، بعيدا عن منطق التشكيك في النيات او الانتقاص من قدسية الشعائر. فالاشكال هنا لا يتعلق بذات الزيارة، ولا بالمشاعر الدينية الصادقة لدى كثير من المشاركين، بل بالتبعات التي اصبحت ملموسة على مستوى الواقع؛ من تعطيل الشوارع الحيوية، الى الاختناقات المرورية، مرورا بحوادث السلامة العامة، فضلا عن الاضرار الصحية والبيئية في مناطق مكتظة اصلا بالزائرين والسكان.

في هذا السياق، يبرز الدور المحوري لرجل الدين المختص، بوصفه الموتمن شرعا واخلاقيا على بيان الاحكام، لا بصيغتها التجريدية فحسب، بل في ضوء الواقع ومآلات الافعال. فالمجتمع العراقي، بحكم طبيعته الدينية، ينتظر من المرجعيات والخطباء وائمة المنابر توضيح الحدود الفاصلة بين الشعيرة حين تحقق مقاصدها، وبينها حين تتحول – بفعل المبالغة او سوء التنظيم – الى مصدر اذى.

ان السكوت عن هذه القضايا لا يمكن فهمه دائما بوصفه حيادا، بل قد يقرا عرفا على انه اقرارا ضمني باستمرار الممارسة وتبعاتها، وهو ما لا ينسجم مع المسؤولية الشرعية والاخلاقية الملقاة على عاتق من تصدروا للخطاب الديني.

وتتضح ابعاد هذه الاشكالية اكثر عند مقارنة الواقع العراقي بدول اخرى تنتمي الى المذهب الشيعي، وفي مقدمتها ايران، التي يعدها كثيرون احدى ابرز ساحات التشيع المعاصر. فبرغم كثافة المناسبات الدينية وحضور الشعائر في المجتمع الايراني، لا تلاحظ هناك ممارسات تفضي الى تعطيل شامل للحياة العامة. اذ ينظر الى العمل والانتاج وخدمة المجتمع بوصفها جزءا اصيلا من التدين، لا نقيضا له.

وحين تثار مسالة الافراط في الطقوس، يستشهد غالبا بروايات من تراث اهل البيت توكد ان ما يقرب الانسان الى الله هو العمل النافع وخدمة الناس، لا الممارسات التي تثقل كاهل المجتمع وتربك نظامه.

ولا تهدف هذه المقارنة الى المفاضلة بين الشعوب او النماذج، بل الى ابراز اختلاف الفهم والتطبيق. فالتشيع، في جوهره، لم يكن يوما دعوة لتعطيل الحياة، بل مشروعا اخلاقيا لاصلاحها. وما شهده العراق بعد عام 2003 من تضخم بعض الممارسات الشعائرية يمكن فهمه في اطار توظيف العاطفة الدينية، حيث اصبحت الشعيرة – في بعض تجلياتها – وسيلة سهلة للتاثير في الوعي الجمعي، بعيدا عن النقاش العقلاني لمآلات الافعال ونتائجها.

من هنا، فان اي محاولة لطرح هذا الموضوع بلغة العقل والمصلحة العامة كثيرا ما تواجه بالرفض او سوء الفهم، ليس لان المجتمع يفتقر الى الوعي، بل لان المراجعة النقدية للممارسة الدينية احيطت بهالة من الحساسية، جرى معها الخلط بين نقد الفعل والطعن في المقدس.

ان الدين، في جوهره، ليس طقوسا تمارس بمعزل عن اثارها، بل منظومة قيم وسلوكيات تقاس بمدى انعكاسها على اخلاق المجتمع، واحترام الانسان، وتقليل الضرر. وما جدوى شعيرة يفترض ان تكون وسيلة للتقرب الى الله، اذا كانت نتيجتها ايذاء الناس او تعطيل مصالحهم او تشويه صورة التدين في الوعي العام؟

ان حماية قدسية الشعائر لا تكون بتكثير مظاهرها، بل بضبطها وربطها بمقاصدها الكبرى، وصونها من التحول الى ممارسات تنتج ضررا اجتماعيا، وتفتح بابا للجدل والانتقاد. فالدين الذي لا يسهم في تخفيف معاناة الناس وحفظ كرامتهم، يتحول – من حيث لا يقصد – من رسالة اصلاح الى عبء اجتماعي، ومن منظومة قيم حية الى مجرد هوية شكلية.

الخلاصة:
ان الاشكال في جوهره، ليس في الدين ولا في المذهب، بل في كيفية توظيفهما داخل الواقع العراقي، وفي غياب صوت ديني مسوول يجرؤ على القول: ان ما يعطل حياة الناس، ويوذيهم، ويسيء لصورة التدين، لا يمكن الدفاع عنه شرعا، مهما كانت نواياه او عناوينه.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان