
بقلم / احسان باشي العتابي
منذ سنوات طويلة لم يعد المنطق معيارا في ادارة الدولة العراقية، ولم تعد الاولويات تقاس بما يحتاجه ابناء المجتمع،بل برغبات السلطة وصناعة الاستعراض. ما يجري ليس سوء تقدير عابر، بل فشل بنيوي مزمن في فهم ابسط واجبات الدولة تجاه مواطنيها وبلا مبالغة لوصف الحالة هي التي اوصلت البلاد لهذا الواقع الماساوي.
في مدينة الكوت مركز محافظة واسط،وتحديدا قبل ايام قلائل ،افتتح جامع او كما اعلن عنه مركزا ثقافيا بكلفة تقارب 40 مليار دينار وربما دولارا من المال العام _بحسب قراءتي للخبر _،مدينة تفتقر الى مستشفى متكامل، وتعجز عن توفير دار لكبار السن، او ماوى للايتام والمشردين. مدينة يترك فيها المريض لمصيره، والفقير لقدره، ثم يطلب من الجميع التصفيق لمشروع “انجازي” لا يمس جوعهم ولا مرضهم ولا كرامتهم.
لسنا ضد دور العبادة، ولم نكن يوما كذلك، لكن استغلال الدين لتغطية العجز الاداري وانعدام الحس الانساني هو الجريمة بعينها. فالدين لم يكن يوما بديلا عن المستشفى، ولا الدعاء عوض سريرا في طوارئ، ولا القباب عالجت مريضا ترك على باب مستشفى متهالك.
والدليل:
ان كثيرا من رجال الدين بما فيهم من يدعون التصدي للفتيا حين يتعرضون لاي وعكة صحية يلجئون الى المستشفيات ومنهم من يلجأ للعلاج خارج العراق في حال كانت حالته تستدعي ذلك وهذا ليس عيبا بل امرا عقلائي فلكل مجال من مجالات الحياة اهله
والسؤال الذي يجب ان يطرح بوقاحة تليق بحجم الوقاحة في القرار:
من قرر ان الانسان يمكنه الانتظار، بينما الحجر لا ينتظر؟
ومن منح نفسه حق ترتيب اولويات مدينة كاملة دون اعتبار لالام سكانها واحتياجاتهم الاساسية؟
ان ما يحدث ليس “خطا في التقدير”، بل انفصال كامل عن الواقع، ومنظومة حكم ترى في المشاريع الرمزية وسيلة للتلميع، لا اداة لخدمة الناس. منظومة تفضل الصورة على الحياة، والافتتاحات على العلاج، والخطب على الحلول.
هذه ليست قضية جامع، بل قضية دولة تخلت عن وظيفتها الاساسية: حماية الانسان قبل اي شيء اخر.
ودولة تضع كرامة المواطن في اخر القائمة، لا يحق لها ان تتحدث عن القيم، ولا عن الرسالة، ولا عن الاخلاق بل ان الجهة المستفيدة من ذلك المشروع اثبتت انها بعيدة كل البعد عن ما تدعيه من قيم وثوابت اقرتها عقيدتها الدينية التي تومن بها بدلالة :”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.