• img

البحث عن اللايكات…حين يتحول بعض مدعي العلم الى صناع وهم

فبراير 03, 2026

 

بقلم / احسان باشي العتابي

ثمة ظاهرة خطيرة باتت تتسلل بهدوء الى فضاء ما يسمى “العلوم الدينية”، ظاهرة تكشف – دون مواربة – حجم الانحراف والتواطؤ لدى كثير ممن يقدمون انفسهم بوصفهم حراس الحقيقة وورثة الانبياء. هؤلاء الذين نصت ابجديات العلم الذي يدعون حمله على ان واجب العالم الاول هو التصدي لكل شبهة تظهر في المجتمع، ومواجهة كل انحراف فكري او اخلاقي، والا استحق اللعنة من الرب/الله والناس والملائكة، كما تؤكد النصوص التي طالما رددوها على المنابر.

غير ان الواقع يكاد يكون نقيض ذلك تماما.

فبدل ان يكون “العالِم” منارة تبدد الظلام، اصبح بعضهم يحسب الف حساب لردود الافعال، ويزن مواقفه بميزان الشعبية، ويتعامل مع القضايا الفكرية الكبرى بعقلية مدير صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي. صار الصمت فضيلة، والمجاملة منهجا، والهروب من المواجهة خيارا مفضلا، فقط لان الحقيقة قد تغضب العوام منه_ممن يومنون بالرجوع اليه_ او تفقده بعض المعجبين.

ان موقف هؤلاء لا يختلف كثيرا عن موقف صناع المحتوى التافه الذين يلهثون خلف اللايكات والمشاهدات. الفرق الوحيد ان اولئك يبيعون التفاهة علنا_بسبب رواجها اجتماعيا_،بينما هؤلاء يغلفون صمتهم بثياب الوقار والهيبة، ويبررون جبنهم الفكري بشعارات الحكمة والمصلحة العامة.

والحقيقة الصادمة ان بعض المنتمين الى هذا المسلك اعترفوا صراحة بانهم يتجنبون الرد على الشبهات خوفا من خسارة جمهورهم، او من اهتزاز صورتهم “القدسية” لدى الاتباع. وهنا تكمن الطامة الكبرى: حين يتحول العالم من صاحب رسالة الى صاحب مشروع شخصي، ومن ناطق باسم الحقيقة الى حارس لمصالحه ومكانته الاجتماعية.

لقد بات واضحا ان هم الكثير منهم لم يعد تبيان اوامر السماء ونواهيها كما هي، بل ضمان استمرار هالتهم المقدسة، وصون مواقعهم في قلوب البسطاء، حتى لو كان الثمن هو ترك الساحة للجهل والتضليل والشبهات.

وخير دليل على صحة هذه الرؤية التحليلية، ان الناس بدات تبتعد شيئا فشيئا عن كل ما يحمل مسمى ديني. والسبب واضح: غياب من يتصدى للشبهات التي تجتاح المجتمع، وصمت من يفترض بهم ان يكونوا خط الدفاع الاول عن الحقيقة. بل ان الامر تجاوز حدود الشبهات الفكرية، ليصل الى مستوى الموبقات الواضحة، وحتى الجرائم الصريحة التي ترتكب تحت عناوين براقة مثل “حماية العقيدة” او “الدفاع عن المذهب”.

لقد تحول الدين – في نظر كثيرين – من رسالة اخلاق وعدل ورحمة، الى غطاء ترتكب تحته ابشع الممارسات. ومع استمرار صمت مدعي العلم عن هذه الانحرافات، بدا قطاع واسع من ابناء المجتمع يقتنع بأن تلك العقائد ليست سوى منظومات فاسدة وظالمة، لا تنتج الا العنف والكراهية والتكفير.

وهكذا وجد الناس انفسهم امام خيارين كلاهما مر:

اما ان يعتقدوا ان المشكلة في اصل الدين نفسه، فينفروا منه ويبتعدوا عنه كليا،

او ان يتيقنوا بصلاح تعاليمه، لكنهم يفقدون الثقة بمن يدعون انهم حراسه وامناؤه..

وفي الحالتين، النتيجة واحدة: انهيار صورة الدين في الوعي العام، ليس بسبب تعاليمه الحقيقية، بل بسبب تواطؤ من نصبوا انفسهم اوصياء عليه. فكيف يمكن لانسان بسيط ان يؤمن بدين تستباح باسمه الدماء، وتبرر تحت رايته الجرائم، ولا يجد من علمائه كلمة حق تردع الباطل او توقف الانحراف؟

ان اخطر ما في الامر ان هذا الصمت المتواطئ لا يضر صورة “العلم” فحسب، بل يساهم في تشويه الدين نفسه، ويفتح الباب امام الدجالين والمتطفلين ليملأوا الفراغ. فحين يتخلى من يفترض بهم قيادة الوعي عن دورهم، لا يبقى امام الناس سوى الضياع بين متطرف جاهل ومنافق صامت.

العلم الحقيقي موقف، قبل ان يكون لقبا.

والعالم الحق شجاعة، قبل ان يكون عمامة او شهادة.

اما من يبيع الحقيقة خوفا على شعبيته، فليس سوى باحث اخر عن اللايكات… وان ارتدى عباءة العلماء.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان