
بقلم / صاحب العنزي
يمثل الخوف والقلق بعدين أساسيين في التجربة الإنسانية، ولا يمكن إقصاؤهما من حياة الفرد أو المجتمع، إذ يؤدي كلٌّ منهما وظيفة نفسية واجتماعية محددة. غير أن الإشكالية لا تكمن في وجودهما، بل في كيفية إدارتهما، وفي المسافة الفاصلة بين الإفراط الذي يشلّ الإرادة، والتفريط الذي يلغي الحسّ بالمسؤولية. ومن هنا، يصبح التوازن النفسي والاجتماعي نتاجًا دقيقًا لضبط هاتين الحالتين ضمن حدود العقل والوعي.
من المنظور النفسي، يُعدّ الخوف استجابة انفعالية ضرورية تحذّر الفرد من الخطر وتدفعه إلى حماية ذاته. لكن الإفراط في الخوف يحوّله من آلية دفاعية إلى حالة مرضية تُنتج التردد، والانسحاب، وفقدان الثقة بالنفس. وفي المقابل، فإن التفريط في الخوف—أي غيابه أو إنكاره—يؤدي إلى التهور، والاستهانة بالمخاطر، واتخاذ قرارات غير محسوبة العواقب.
أما القلق، فينشأ غالبًا من استمرارية الخوف ومن غموض المستقبل، ويُعدّ مؤشرًا على وعي الفرد بالتحديات القادمة. غير أن الإفراط فيه يحوّله إلى قلق مزمن يستنزف الطاقة النفسية، بينما يؤدي التفريط فيه إلى اللامبالاة وانعدام التخطيط.
وعلى المستوى الاجتماعي، تتجلى هذه الثنائية بوضوح أكبر. فالمجتمعات التي تعيش في ظل أزمات متكررة، أو خطاب تهديد دائم، تنتج أفرادًا غارقين في القلق الجمعي، ما يؤدي إلى شلل اجتماعي، وتراجع المبادرة، والخضوع للأمر الواقع. هذا هو الإفراط الاجتماعي في الخوف والقلق. في المقابل، فإن المجتمعات التي تفرّط في الإحساس بالمخاطر—سواء عبر التعتيم أو التهوين—تُعرّض نفسها لانفجارات مفاجئة، إذ يغيب الاستعداد النفسي والاجتماعي لمواجهة الأزمات.
ويشير علم الاجتماع إلى أن التوازن يتحقق حين يُدار الخوف كأداة وعي لا كوسيلة ترهيب، وحين يُوظَّف القلق كحافز للتخطيط لا كعبء دائم. فالدولة والمؤسسات التعليمية والإعلامية تلعب دورًا محوريًا في ضبط هذه المعادلة؛ إذ إن خطابًا عقلانيًا شفافًا يقلّل من القلق، دون أن يُلغِي الخوف المشروع، ويُنمّي لدى الأفراد القدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والمتخيَّل.
إن التوازن النفسي والاجتماعي لا يعني التحرر الكامل من الخوف والقلق، كما لا يعني الاستسلام لهما، بل يقوم على إدراك حدودهما الوظيفية. فالإفراط فيهما يولّد الانكسار، والتفريط فيهما يولّد الفوضى. وبين هذين الطرفين، تتشكل الشخصية المتزنة، ويتكوّن المجتمع القادر على مواجهة التحديات بوعي، لا بذعر، وبحذر، لا بجمود.