• img

المواطنة بين النص الدستوري والتوجه الشخصي:قراءة في ازمة الولاء للعراق!

يناير 27, 2026

 

بقلم / احسان باشي العتابي

تقوم الدولة الحديثة على ركيزة جوهرية لا غنى عنها: المواطنة بوصفها رابطة قانونية وسياسية واخلاقية، ترتب حقوقا وواجبات متبادلة بين الفرد والدولة. وفي الدستور العراقي، تقر هذه الرابطة على اساس الانتماء للوطن، واحترام سيادته، والالتزام بمصالحه العليا، دون تمييز ديني او مذهبي او عرقي.

غير ان الواقع السياسي العراقي بدأ يكشف عن فجوة خطيرة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، تتجلى في سلوك فئات تحمل الجنسية العراقية بحكم الولادة او القانون، لكنها تظهر ولاء سياسيا معلنا لدولة اجنبية -ساتطرق لذكرها لاحقا-،وتعمل ـ قولا او فعلا ـ على تقديم مصالحها ورؤيتها على حساب المصلحة الوطنية العراقية. هذا السلوك لا يمكن توصيفه قانونيا على انه “اختلاف سياسي مشروع”، بل يندرج ضمن اخلال جوهري بمفهوم المواطنة.

فالمواطنة، في الفقه الدستوري، لا تختزل في وثيقة رسمية -جنسية او ما شابه -، بل تقاس بدرجة الالتزام بالسيادة الوطنية، واحترام الرموز الدستورية، وعدم الارتباط السياسي او التنظيمي او العقائدي الخارجي الذي يقيد استقلال القرار الوطني. وعليه، فان اعلان الولاء لدولة اخرى، او الدفاع عن مشاريعها داخل الاطار السياسي العراقي، يمثل تناقضا صريحا مع مبدا السيادة المنصوص عليه دستوريا.

الاخطر من ذلك، ان هذا السلوك غالبا ما يبرر تحت غطاء “العقيدة المذهبية”، في حين ان الدستور العراقي ـ بوضوح لا لبس فيه ـ يفصل بين الدين وادارة الولاء السياسي للدولة، ويوكد ان التعدد الديني لا يبرر التبعية الخارجية ولا يجيز تحويل الانتماء الروحي الى اداة نفوذ سياسي عابر للحدود.

لذلك و بحسب المعطيات ان اخطر ما واجهه العراق في تاريخه الحديث ليست الحروب ولا الحصارات ولا حتى الاحتلال بما هو احتلال بل تلك الحالة الشاذة التي تفشت في جسده السياسي والاجتماعي:عراقيون يحملون الجنسية لاحد السببين انفي الذكر لكن ولاءهم المعلن ـ بلا خجل ـ لدولة اخرى، يقدمون مصالحها ورويتها وعقيدتها السياسية على حساب العراق، تاريخه، سيادته، وكرامة ابنائه.

انها ظاهرة لا يمكن توصيفها بالاختلاف السياسي ولا بالتنوع الفكري، بل هي تبعية صريحة، تجاوزت في كثير من مفاصلها كل ما عرف في التاريخ من صور العمالة والخيانة،وتغلفت – للاسف – برداء العقيدة المذهبية، لا بوصفها ايمانا، بل اداة سياسية لتبرير الارتهان لذلك الغير.

الطامة الكبرى، ان هذا الولاء لا يمارس في الخفاء، بل يعلن جهارا نهارا، ويدافع عنه في الاعلام، ويشرعن في السياسة، ويفرض بالقوة احيانا، وكأن العراق تفصيل هامشي في مشروع عابر للحدود، لا وطنا له سيادة وتاريخ ودماء روت ارضه كي يبقى مصانا على الدوام.

وما يزيد المشهد فداحة،ان هذا السلوك لا يمثل فقط ذلك الجزء من تلك الجماهير التي تنتمي لتلك العقيدة الدينية،التي بحسب ظنهم انها تجمعهم بتلك الدولة واعني بها ايران ،بل هنالك افراد اخرون ممن يختلفون مع العقيدة المذهبية الايرانية لكنهم ساروا بركب اولئك ليس بسبب العقيدة انما بسبب المنفعة الفئوية لهذا فهم اليوم بالمجمل – للاسف الشديد- اصبحوا الكثرة التي تصدرت المشهد العراقي اذ شوهت الدين الذي تدعي الايمان به قبل ان تشوه الوطن،فيما حولت الانتماء المذهبي من فضاء روحي الى عقد ولاء سياسي واجتماعي خارجي. والمنافع الشخصية الضيقة على حساب المنافع العامة.

لكن،وهذه اللاكن كما نراها هي الامل الذي سيرسخ معان الوطنية في عقول وضمائر الاجيال المقبلة نجد عراقيين ينتمون الى عقائد دينية اخرى، تشترك معهم فيها دول وشعوب عديدة، تفوق عدد اصحاب تلك العقيدة المذهبية_ وهذا ليس تجنبا او حتى انتقاصا منهم بقدر ما هو واقع ملموس_ لكنهم لم يظهروا يوما تلك التبعية المهينة، ولم يرفعوا مصالح دول اخرى فوق مصلحة العراق، ولم يطعنوا بتاريخ بلدهم لارضاء عاصمة خارج حدوده. وللانصاف ان الكثير من المنتمين لتلك العقيدة المذهبية التي تشاركهم بها ايران على الاقل ظاهرا تعجز عن وصف ولاءهم المطلق للعراق كل اللغات كما اثبت الواقع.
وهنا يتجلى سؤالين مهمين ومؤلمين بذات الوقت:
الاول:لماذا لم تتحول عقيدة تلك الاغلبية العددية الى ادوات تبعية، بينما تحولت عقيدة تلك الاقلية العددية الى جسور عبور للنفوذ الايراني؟
الثاني:لماذا لم يجرف تيار التبعية كل المنتمين لتلك العقيدة المذهبية التي تعتبر ايران امتدادها الطبيعي؟

حقيقة ان الذي دفعني لطرح هذه النقطة الحساسة جدا خاصة في الظروف الراهنة التي يعيشها العراق والمنطقة وربما العالم هو اخر فصول هذا الانحراف عن الولاء للوطن، الاصوات النشاز التي تطالب بازالة او استبدال نصب الشهيد العراقي؛ والبديل هو شخصية قاسم سليماني الجنرال الايراني بداعي انه وقف مع العراق ابان تصديهم لتتظبم داعش الارهابي رغم ان نصب الشهيد لا يمثل طائفة ولا حزبا، بل يختصر دماء عراقيين اصلاء قدموا ارواحهم دفاعا عن العراق، عبر عقود من التضحيات. اي حقد هذا الذي يدفع امرء ولد على هذه الارض ان يهاجم رمز شهدائها؟ واي سقوط اخلاقي يجعل ارضاء الخارج اقدس من دماء ابناء الوطن؟

ان كانت القضية كما يدعي اولئك قضية اقرار بمواقف الغير الطيبة ازاء العراق فمن الاولى ان يكون هنالك نصبا تذكارية للجنود الامريكان الذي قضوا نحبهم على ارض العراق اثناء عملية الاجتياح او كما يصفونه”التحرير”ولا اعتقد ان هذا التوجه يعتبر مثلبة على من لمن يتبناه باعتباره منطقيا والذي يوكد منطقيته هو خطابات وافعال اقطاب مهمة بل رئيسية مشتركة بادارة حكم العراق من بينهم رجال دين -وكل ذلك غير خاف على احد لانه موثق بالصوت والصورة لمن حاول انكاره-.

يوسفنا القول:اننا لم نر في اي بلد في العالم مواطنين يوالون دولة اخرى بالضد من اوطانهم بهذا الشكل الفج، وتاريخيا لم نلمس في اي تجربة هذا القدر من الاستعداد للطعن بمن يحمل عنوان ابن البلد عامة فضلا عن بقية العناوين الاجتماعية التي تجمع اولئك-التبعية- بمن يخالفهم بالتوجهات من اجل عيون الخارج، سوى في العراق.

لقد وصلنا الى مرحلة بدا فيها كثير من العراقيين-الاحرار دون سواهم-يشعرون بالخجل من الانتماء، لا بسبب العراق، بل بسبب اولئك الذين اختطفوا اسمه، وعلقوه على مشروع لا يشبهه، ولا يحترمه، ولا يعترف بتضحياته.

ان القبول باستمرار هذه الممارسات، دون توصيف قانوني واضح او مساءلة سياسية او اجتماعية جادة، يفضي الى تفريغ المواطنة من مضمونها، وتحويل الدولة الى ساحة صراع ولاءات، لا كيانا ذا سيادة مستقلة. وهو ما يهدد مبدا المساواة بين المواطنين، ويضعف الثقة بالدستور ذاته بوصفه عقدا جامعا.

الخلاصة:
العراق لا يحتاج الى اعادة تعريف هويته، بل الى تفعيل نصوصه الدستورية، وترسيخ مفهوم ان الولاء للوطن ليس خيارا انتقائيا، ولا يجزا، ولا يستبدل بعقيدة سياسية خارجية مهما كانت الذرائع التي تتبناها.

فالدولة التي لا تحمي معنى المواطنة، تفقد قدرتها على حماية نفسها.
والسيادة التي تنتهك باسم التبرير، تسلب باسم الواقع.

وفي سياق هذه الجزئية يبقى السؤال القانوني مفتوحا:
هل تصان المواطنة كنص ملزم… ام تترك كعنوان بلا مضمون؟

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان