• img

رحل كرار… لان استهداف الطفولة في العراق جريمة بلا عقاب

يناير 21, 2026

 

بقلم: احسان باشي العتابي

تنويه هام:
ما دام المجتمع الذي ينتمي اليه الطفل كرار يحيي ذكرى وفاة موسى ابن جعفر _الكاظم _بودي ان احدثه بشيء مهم:
ان الكاظم ضحى بنفسه من اجل ان يعيش كرار طفولته كما ينبغي، لا ان تصادر منه ليرى نفسه مضطرا للتنكر لها…ارجو ان تطرق كلماتي ابواب عقولهم وضمائرهم.

لم يرحل كرار لان حادثا وقع.
كرار رمي الى الشارع ثم دهس… حرفيا ومعنويا.

رحل لانه طفل عراقي ولد في دولة تعرف كيف تجبي الثروات، لكنها لا تعرف كيف تحمي ابناءها.
دولة تتقن الخطب عن “الجيل الحالي والاجيال القادمة”، لكنها تسلم اطفالها للفقر، ثم تتظاهر بالصدمة حين يموتون.

كرار لم يكن حالة طارئة ولا رقما شاذا في سجل الاهمال.
كان نتيجة طبيعية لنظام اعتاد تحويل الطفولة الى قوة عمل رخيصة، وترك المدارس خاوية، والشوارع ممتلئة باجساد صغار لم يبلغوا سن الحلم.

كرار ابن البصرة، المدينة التي تمول العراق ولا تنال منه الا الاهمال.
مدينة تصدر النفط وتستورد الفقر.
ومن المفارقة ان طفلا فيها لا يجد مقعدا في مدرسة، لكنه يجد نفسه مجبرا على حمل عدة بيع الشاي يبحث عن رزقه بين المارة والسيارات، بلا حماية، بلا رادع، وبلا دولة.

قد يحاول البعض — بخبث او سذاجة — تعليق الجريمة على شماعة “الظروف العائلية”.
نعم، الفقر قاس، لكن الفقر ليس جريمة…
الجريمة ان تترك الدولة الفقراء وحدهم، ثم تحاسبهم اخلاقيا على خيارات فرضتها عليهم.

اما الصمت العشائري، فهو شراكة لا تقل جرما.
شيخ العشيرة الذي لم يتحرك، والقريب الذي تفرج، والمجتمع الذي طبع عمالة الاطفال، كلهم شركاء في قتل بطيء، حتى لو تباكوا اليوم امام الكاميرات.

لكن المسوول الاول والاخير هو الدولة.

قانونا، الدولة العراقية مسوولة مسوولية مباشرة عن مقتل كرار.
الدستور العراقي في المادة (29) يكفل حماية الطفولة، ويمنع الاستغلال الاقتصادي للاطفال.
وقانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 يجرم تشغيل الاطفال في الاعمال الخطرة.
كما ان وزارة العمل والشوون الاجتماعية، ووزارة التربية، ووزارة الداخلية، والمحافظة، تتحمل واجبات رقابية وتنفيذية واضحة.

فاين كانت هذه الموسسات؟
ايت كانت فرق التفتيش؟
اين كانت شبكات الحماية الاجتماعية؟
واين كانت الدولة حين كان طفل في سن الدراسة يعمل في شارع عام؟

هذا ليس تقصيرا اداريا…
هذا فشل ممنهج، واهمال يرقى الى مستوى القتل غير المباشر.

ومن يخرج اليوم ليذرف دموعا متاخرة، دون ان يطالب بمحاسبة حقيقية، فهو لا ينعى طفلا، بل يغسل يديه.
الدموع لا تسقط المسوولية،
ولا تغلق ملفا،
ولا تعيد الحياة لطفل قتل لان احدهم قرر ان القانون رفاهية.

كرار لم يمت في حادث سير.
كرار قتل يوم قررت الدولة ان الطفولة ملف موجل،
ويوم اعتاد المجتمع دفن اطفاله
ثم البحث عن القاتل خارج المرآة.

الخاتمة
نعم، ان قلبي مملوء بالرحمة تجاه الاخرين، لكنها لم تكن يوما سببا لان اكون ساذجا امام كل ما اسمعه او اراه.
غير ان ملامح الطفل “كرار” ابن البصرة الذي ذهب ضحية حادث سير مروري شيء اخر؛ فهي تشي بطيب نفس نادر، وبساطة تصل الى اقصى حدودها، وخلق يفيض براءة. لذلك ينصب كل اهتمامي على وجهه الصغير، ذلك الوجه الذي يدفعني الى البكاء بحرقة كلما تاملته، كانه واحد من ابنائي الصلبيين.
وهذا هو السبب، الذي دفع قريحتي المتواضعة ان تكتب عنه بعض السطور، بامل ان تخفف من وطأة الغضب الذي يتملكني بسبب رحيله المفجع.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان