
بقلم / احسان باشي العتابي
في هذا الزمن المختل، لم يعد السؤال: من يملك الدين؟
بل: من يسرقه؟ ومن يتاجر به؟
كيف يمكن لدول لا تعرف من القسم سوى كلمة “الشرف” ان تدار بنزاهة صارمة،بينما دول تغرق خطاباتها بالكتب المقدسة، وتحاط قياداتها بهالات العصمة،تتحول فيها السرقة الى نظام، والفساد الى ثقافة، والكذب الى سياسة دولة؟
هذا ليس تناقضا عابرا…
هذا احتيال اخلاقي مكتمل الاركان.
في الدول التي لا تتستر خلف القداسة، يسقط مسؤول بسبب شقة، او مخالفة، او دولار او يورو واحد بلا وجه حق.اما في دول “الايمان المعلب”، فتنهب المليارات، ويجوع الشعب، وتدمر الاوطان،ثم يقال لك بوقاحة: اصبر… فهذه ارادة الرب/الله!
اي اهانة اعظم من هذه؟
هنا، لا يحاكم الفاسد لانه “محمي بالعقيدة”.
ولا يسال المسؤول لانه “رمز”.
ولا تستعاد الاموال لانها “مقسومة غيبيا”.
بل يخون كل من يطالب بالحق، ويتهم كل من يفتح فمه بانه ضد الدين، او ضد الطائفة، وهذا لا يجوز لانها بالمجمل مقدسات لا يمكن المساس بها.
الحقيقة المرة التي لا يريدون سماعها:
الدين الذي لا يمنع السرقة من المال العام، ليس دينا حاكما… بل لافتة دعائية.
الدول النظيفة لم تبن بالخطابة،بل بالقانون، بالمحاسبة، بالخوف الحقيقي من المساءلة، لا من الرب/الله في الشعارات.
هناك، المسؤول يرتجف امام القضاء.
وهنا، القاضي نفسه يرتجف امام المسؤول.
اليد البيضاء لم تولد من فراغ،بل من انظمة كسرت قدسية المنصب، وجردت السلطة من حصانتها.
اما اليد السوداء، فلم تسود لانها بلا ايمان،بل لانها لوثت الايمان، وجرت المقدس الى مزاد السياسة.
الاخطر من الفساد ذاته،
هو تحويله الى “قضاء وقدر”،
واقناع الناس ان السرقة امتحان،
وان الجوع صبر،
وان الذل عبادة،
وان الفقر بكل اشكاله يجعلك في عليين،
لان الفقراء احباب وعيال الرب/الله.
وهم بهذا، سقطوا في شر اقوالهم فضلا عن اعمالهم؛
اذ اثبتوا بانهم ليسوا من الفقراء وعيال الرب/الله الذين يحبهم، لانهم يعيشيون حياة مترفة.
وهنا نصل الى الخلاصة التي يخافون منها:
الدول التي تحترم الشرف، تحترم الانسان.
والدول التي تتاجر بالمقدس… تذبحه كل يوم باسم الرب/الله.
ذلك هو التناقض الذي يحكمنا:
بين شرف يمارس،
وقداسة تغتصب.