
بقلم / احسان باشي العتابي
ملاحظة هامة:
لاسباب خاصة، لم ادل بصوتي لانتخاب اي شخصية مطلقا، حتى اولئك الذين يشهد لهم بالكفاءة والوطنية العراقية الخالصة.
مفارقات الوضع العراقي الممتدة منذ قرابة الربع قرن لم تعد خافية على احد، حتى انها في كثير من الاحيان حيرت العقول! ولو ان المقام يسمح بطرح كل تلك المفارقات لفعلت، لكن ذلك سيأخذني بعيدا عما ارغب في توضيحه، حول نقطة جوهرية تتعلق بجماهير العراق على اختلاف توجهاتها… ولهذا سأدخل مباشرة في صلب الموضوع.
يشهد المشهد السياسي العراقي مفارقة لافتة بين جمهور تشرين والجماهير التابعة للاحزاب التقليدية. فالمقارنة هنا لا تقاس بالانتماءات التنظيمية ولا بالشعارات، بل بنوعية الوعي السياسي لدى كل طرف، وبالطريقة التي يصنع بها المواطن قراره داخل صناديق الاقتراع وخارجها.
تشرين منذ انطلاقها،اثبتت انها ليست حركة احتجاج عابرة، ولا موجة غضب مؤقتة،او مدفوعة الثمن من قبل جهات معادية للعراق، كما حاول خصومها تصويرها، بل مشروع وطني متكامل يستند الى قيم اخلاقية ورؤية تتجاوز الاصطفافات الحزبية والمصالح الضيقة. لقد رسخت هذه الحركة سلوكا سياسيا جديدا يقوم على النقد والمحاسبة، بعيدا عن الولاءات العاطفية التي هيمنت طويلا على الحياة السياسية في العراق.
جمهور تشرين، بخلاف كثير من الجماهير الحزبية، لم يعرف بالتبعية ولا بالانقياد الاعمى. فهو جمهور يمتلك حسا نقديا فريدا، يقدم صدق المواقف على بريق الشعارات، ويتعامل مع السياسة باعتبارها مسؤولية لا صراع لافتات. ولذلك لم ينخدع بالاسماء الكبيرة، ولم يسلم قراره لسلطة الزعيم او العشيرة او الخطاب الطائفي.
وتجلى هذا الوعي بوضوح في الانتخابات الاخيرة، حين خسر نواب تشرين مواقعهم، رغم انهم وصلوا اليها باصوات التشرينيين انفسهم في انتخابات عام 2021. كانت تلك الخسارة الدليل الاوضح على ان جمهور تشرين يتمتع بنضج ديمقراطي حقيقي: فهو يمنح الثقة عند الاستحقاق، ويسحبها عند الاخفاق، دون مجاملة او تبرير، ودون ان يقع اسيرا لماضي الاشخاص او شعاراتهم.
على الضفة الاخرى، ما تزال قطاعات واسعة من جماهير الاحزاب التقليدية حبيسة الولاءات القديمة، تمنح اصواتها استنادا الى روابط طائفية او عشائرية او مصالح شخصية، فتعيد انتاج الاخطاء ذاتها في كل دورة انتخابية، مانعة اي فرصة فعلية للتغيير.
ان الفارق بين الجمهورين لا يتعلق بالعدد بقدر ما يتعلق بنوعية الوعي. فهناك جمهور يصنع التغيير عبر المحاسبة، واخر يرسخ الجمود عبر الولاء غير المشروط. ولهذا، ورغم كل ما تعرضت له تشرين من تشويه وتضييق، بقيت تمثل صوتا وطنيا خالصا وضميرا حيا يذكر بأن العراق يمكن ان ينهض حين يمتلك المواطن وعيا قادرا على رفض الاستغلال وقطع الطريق على الفاسدين.
الخلاصة:
لا شك ان الماكرين والفاسدين قد يحققون مكاسب عابرة، وهذا ما تشهد به صفحات التاريخ في مختلف الازمنة، غير ان الخلود الحقيقي يكتب فقط لمن ثبتوا على مواقفهم المبدئية،فسطروا اسماءهم باحرف من نور، على النقيض من اولئك الذين لم يحصلوا على سوى الذم.ان القيمة الحقيقية لتشرين لا تقاس بنتائج صناديق الاقتراع، بل بما رسخته من وعي جديد وثقافة مختلفة جوهرها: لا ثقة بلا اداء… ولا سلطة بلا محاسبة.