
بقلم / صاحب العنزي
منذ عام 2003، يعيش العراق حالة من التنازع السياسي والفكري بين اتجاهين متعارضين في الرؤية والمنهج:
اتجاه تقليدي يستند إلى عوامل تاريخية ودينية، يرى في نفسه الامتداد الطبيعي لهوية المجتمع وذاكرته،
واتجاه مدني يسعى إلى تأسيس دولة حديثة تقوم على مفهوم المواطنة، وتتحرر من الانقسامات الطائفية والمناطقية.
غير أن هذا الصراع لم ينتج حتى الآن توازناً مستقراً، بل أدى إلى حالة من الدوران في الفراغ السياسي، حيث تتبدل الوجوه بينما تبقى البُنى العميقة للأزمة على حالها.
أولاً: أزمة المشروع الوطني
تكمن المعضلة الأساسية في أن النظام السياسي الذي تشكّل بعد 2003 لم ينجح في إنتاج عقد اجتماعي جامع.
فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً للمواطنة، أصبحت ساحة لتقاسم النفوذ والولاءات.
القوى التقليدية التي تصدّرت المشهد لم تفلح في بناء مؤسسات راسخة، لأنها انشغلت بتثبيت شرعيتها عبر خطاب الهوية والانتماء، لا عبر منجز الدولة والخدمة العامة.
ومع مرور الوقت، تحوّل النظام إلى شبكة مصالح مغلقة توازن بين القوى بدل أن توحّدها في مشروع وطني واحد.
⸻
ثانياً: مأزق القوى المدنية
على الجانب الآخر، لم تتمكن القوى المدنية من استثمار إخفاقات خصومها لتقديم بديل حقيقي.
فخطابها ظلّ عاطفياً، يعتمد على نقد الفساد والفشل السياسي دون أن يمتلك أدوات عملية لإدارة الدولة.
لم تُقدّم هذه القوى مشروعاً اقتصادياً متكاملاً، ولا تصوراً لإصلاح مؤسسات الدولة، بل اكتفت بالتمركز حول فكرة “التغيير” بوصفها هدفاً بحد ذاته.
وهكذا تحولت من قوة تغيير محتملة إلى قوة احتجاجية رمزية، تكتسب زخمها في الشارع لكنها تخسر فعاليتها داخل النظام السياسي.
⸻
ثالثاً: الدولة المعلّقة بين الولاءات والانقسامات
في ظل هذا الانقسام بين خطاب الهوية وخطاب التغيير، بقيت الدولة العراقية معلّقة بين الماضي والمستقبل.
فهي دولة تملك شكلاً ديمقراطياً، لكنها تفتقر إلى مضمون مؤسسي راسخ؛
وتملك دستوراً لكن تطبيقه يخضع لتوازنات القوى لا لسلطة القانون.
توزّع الولاءات بين المكوّنات والمصالح جعل الدولة أقرب إلى ساحة مساومات منها إلى منظومة حكم رشيد، مما عطّل إمكانات التنمية والاستقرار.
⸻
رابعاً: الطريق الثالث – إصلاح الوعي قبل النظام
إن تجاوز هذا المأزق لا يتحقق عبر تبديل النخب أو إعادة توزيع السلطة، بل عبر إصلاح البنية الثقافية للوعي السياسي العراقي.
فلا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية ما قبل الدولة، ولا يمكن أن تنجح الديمقراطية في بيئة لا تؤمن بفكرتها الجوهرية: المواطنة والمساءلة.
المطلوب اليوم ليس شعاراً جديداً، بل مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويضع الكفاءة والنزاهة فوق الانتماء، والمؤسسات فوق الأشخاص.
إن التنافس بين القوى الراديكالية والمدنية في العراق ليس مجرد سباق على المقاعد، بل هو صراع على صورة الدولة بين من يريدها دولة تقليدية تعيش احلام وامال الماضي ومن يراها دولة قانون ومواطنة.
وسيظل مستقبل البلاد مرهوناً بمدى قدرة القوى المدنية على تحويل وعي الناس إلى إرادة سياسية، وبمدى استعداد القوى التقليدية لتقبل فكرة التغيير السلمي في بنية
كذلك فإن التنافس الانتخابي في العراق لم يعد بين مشروعين مكتملين بقدر ما هو بين تيارين متعبين:
الأول تقليدي فقد شرعيته بسبب إخفاقه في إدارة الدولة،
والثاني مدني لم يكتسب بعد شرعية الفعل السياسي المنتج.
فالقوى التقليدية ما تزال تملك أدوات النفوذ والتأثير، بينما تفتقر القوى المدنية إلى التنظيم والمشروع. وهكذا تبقى العملية الانتخابية في كثير من الأحيان دورة لتدوير الأسماء ذاتها في إطار أزمة ثقة متبادلة بين الشارع والنخبة
إن الصراع الانتخابي في العراق لم يعد مجرّد تنافس بين قوى سياسية، بل أصبح تجلياً لصراع أعمق بين منطقين متنازعين في فهم الدولة والسلطة والمواطنة.
وما لم يتحول هذا الصراع إلى حوار وطني حول شكل الدولة ومضمونها، سيبقى العراق يدور في حلقة إعادة إنتاج الأزمة ذاتها كل أربع سنوات.