• img

الفسلفة التشريعية للمسؤولية المدنية للمقاول والمهندس عن التهدم الجزئي او الكلي للبناء – قراءة في ضوء المادة (870) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل

نوفمبر 07, 2025

 

بقلم / صاحب العنزي

إن عقد المقاولة ليس مجرد اتفاق بين طرفين على إنشاء بناء أو إقامة منشأة، بل هو عقد ذو طبيعة خاصة تتجاوز آثاره حدود العلاقة الخاصة إلى المصلحة العامة، لأن ما يُقام من مبانٍ ومنشآت يدخل في صميم الثروة القومية للمجتمع، ويعني الدولة والمواطن على حد سواء. ولهذا لم يترك المشرّع العراقي أمر سلامة البناء أو المنشأة لمحض إرادة المتعاقدين، بل أقرّ نظاماً آمراً يفرض على المهندس المعماري والمقاول التزاماً خاصاً بالضمان لمدة عشر سنوات، وهو ما يعرف بالضمان العشري، المنصوص عليه في المادة (870) من القانون المدني. وجاء النص صريحاً في أن المهندس والمقاول يضمنان ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي في البناء أو المنشأة، ولو كان التهدم ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها أو كان رب العمل قد أجاز إقامة المنشآت المعيبة، ما لم يكن المتعاقدان قد أرادا أن تبقى المنشآت مدة أقل من عشر سنوات، على أن يبدأ سريان المدة من وقت إتمام العمل وتسليمه. كما قرر المشرّع بطلان أي شرط يُعفي أو يُخفف من هذا الضمان، باعتباره من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته، لأن حماية الأرواح والممتلكات فوق الاعتبارات التعاقدية الفردية.

طبيعة هذا الضمان تتجاوز حدود المسؤولية العقدية التقليدية القائمة على فكرة الخطأ، لتقوم على أساس موضوعي هو فكرة الخطر أو النتيجة، فالتهدم أو العيب الجسيم في البناء يقوم بذاته قرينة على مسؤولية المقاول والمهندس معاً، ولا يُعفيهما إلا إثبات السبب الأجنبي الذي لا يد لهما فيه. وبذلك انتقل القانون من مبدأ المسؤولية عن الخطأ إلى مبدأ الضمان الموضوعي، حمايةً للمجتمع وضماناً لسلامة الأبنية التي تمثل عنصراً من عناصر الأمن العام.

ويشمل الضمان العشري كل ما يهدد متانة البناء وسلامته، سواء أكان بسبب عيب في المواد أو في التصميم أو في التنفيذ. والمقاول مسؤول عن التنفيذ الصحيح، كما أن المهندس مسؤول عن التصميم والإشراف الفني، ولا يجوز لأي منهما أن يتذرع بتنفيذ أوامر الآخر ما دام في العمل عيب جوهري يهدد متانة المنشأة. وتقوم بينهما مسؤولية تضامنية، لا من باب التضامن الاتفاقي، بل من باب وحدة الغاية والنتيجة التي يتحقق بها الضمان.

أما بطلان شرط الإعفاء من الضمان، فهو مبدأ قرره المشرّع لحماية المصلحة العامة، لأن الإعفاء هنا يعني إطلاق يد المقاول أو المهندس في مخالفة الأصول الفنية دون مساءلة، وهو ما يتنافى مع أمن المجتمع وسلامة المواطنين. فحرية التعاقد تقف عند حدود النظام العام، حيث تتقدم مصلحة الجماعة على إرادة الأفراد.

ولا يُعفى المقاول أو المهندس من المسؤولية إلا إذا أثبت أن التهدم أو العيب كان بسبب أجنبي، كالقوة القاهرة أو خطأ رب العمل أو فعل الغير، غير أن عبء الإثبات يقع عليه، ويجب أن يثبت أن السبب الأجنبي وحده هو الذي أدى إلى الضرر، وأنه لم يكن في وسعه دفعه أو تفادي نتائجه، لأن مجرد الادعاء لا يكفي لإسقاط الضمان.

أما عن مدة الضمان ومدى سريانها، فقد جعل المشرّع العراقي هذا الالتزام قائماً لمدة عشر سنوات تبدأ من تاريخ التسليم، وهي مدة الضمان الموضوعي، لكن دعوى المطالبة بهذا الضمان لا تبقى مفتوحة دون حدّ، بل قرر القانون سقوطها بانقضاء سنة واحدة من وقت حصول التهدم أو انكشاف العيب. والمقصود بانكشاف العيب في هذا السياق هو العلم الحقيقي به، لا مجرد ظهوره في الواقع، أي أن السنة لا تبدأ إلا من اليوم الذي يعلم فيه رب العمل بالعيب علماً يقينياً يمكنه من إقامة الدعوى. فالجهل بالعيب يمنع سريان المدة، لأن التكليف بالمطالبة دون علم يناقض العدالة والمنطق معاً. وهذه السنة لا تعد مدة تقادم بالمعنى الدقيق، وإنما هي مدة سقوط، لأن الحق يسقط بانقضائها ولو لم يثرها الخصم، ولأنها تتعلق بالنظام العام الرامي إلى تحقيق استقرار المعاملات بعد مضي وقت معقول من اكتشاف العيب.

فإذا علم رب العمل بالعيب ولم يباشر الدعوى خلال سنة من تاريخ علمه، سقط حقه في الضمان ولو لم تنقضِ بعد المدة العشرية، أما إذا لم يعلم بالعيب إلا بعد مرور سنوات من التسليم، فإن حقه يبقى قائماً متى ظهر العيب داخل السنوات العشر، على أن يُقيم الدعوى خلال سنة من تاريخ علمه الفعلي به. وبذلك تتحقق الموازنة الدقيقة بين مصلحة صاحب الحق في المطالبة، ومصلحة المقاول والمهندس في استقرار مراكزهما القانونية. وكما قال السنهوري في شرحه: إن المدة العشرية هي مدة الضمان، أما السنة فهي مدة التقاضي، فالأولى تحدد بقاء الحق، والثانية تحدد المطالبة به.

وقد استقر القضاء العراقي على هذا التفسير، إذ قضت محكمة التمييز بأن مدة السنة المنصوص عليها في المادة (870/4) تبدأ من تاريخ علم المالك بالعيب علماً حقيقياً لا من تاريخ وقوعه، لأن العبرة بالانكشاف لا بالوجود. وهو اتجاه متسق مع الفقه المقارن الذي يجعل العلم اليقيني مناطاً لبدء سريان المدة في كل دعوى ضمان تقوم على الخفاء الفني للعيب.

وفي ضوء ذلك يتبين أن فلسفة المشرّع في تنظيم الضمان العشري قائمة على فكرة الأمن الاجتماعي قبل المصلحة الفردية، لأن البناء ليس سلعة عابرة، بل كيان عام يرتبط بالحياة اليومية للناس. فحين يدخل الإنسان إلى بيت أو مدرسة أو مستشفى أو جسر، فإنه يطمئن إلى أن القانون قد ضمن له الأمان في هذه المنشآت، وأن من شيّدها ملتزم أمام المجتمع قبل أن يكون ملتزماً أمام رب العمل.

وهكذا نخلص إلى أن الضمان العشري في القانون المدني العراقي ليس عبئاً على المهندس أو المقاول، بل هو تكريم لمسؤوليتهما المهنية، وضمان للثقة العامة في البناء والعمل الهندسي. إنه التزام يقوم على فكرة أن من يبني، إنما يبني للحياة، وأن من يخطئ في البناء يهدد المجتمع في سلامته. ولذلك كان الضمان العشري نظاماً آمراً لا يجوز الاتفاق على مخالفته، وهو تعبير صادق عن أن القانون لا يحمي الإهمال، بل يحمي الإنسان

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان