
بقلم:مريم السنكاوي
كل الشرائع السماوية، ومنها شريعتنا الإسلامية السمحة، تؤكد على أن يكون المجتمع داعم أساس لليتيم الفاقد للأب والأم او لأحدهما، وتلك هي أيضا مسؤولية مُباشرة تقع على عاتق الحكومة ومؤسساتها المعنية لتقديم الرعاية والإهتمام لهم وواجب الإحسان إليهم في الأفعال لا في الأقوال، وتجنب قهرهم أو التعدي على حقوقهم والحفاظ عليهم وتنشئتهم نشأة صالحة والحفاظ على كرامتهم وأموالهم.
ومن الضرورة بمكان أن نُسليط الضوء هنا على أهمية أن يحظى هؤلاء الأيتام بعناية خاصة وهم، يلجون أبواب تعليم الأطفال والمدراس، وتحفيز عقول الطلاب على تفهم مشاعر هؤلاء الأيتام ومراعاة وضعهم الإنساني مصداقا للقول الكريم : (وأما اليتيم فلا تقهر).
ليس هذا وحسب، بل إني أرى أنه من واجب المجتمع والحكومات والقيادات الحكيمة وبرؤية رشيدة الإهتمام بالأيتام وتنشأتهم نشأة صحيحة، وأن يجعلوا لكل يتيم قصة نجاح من إجل أن يعيش عظيما بتأرخ إنساني ثر، ويقينا أن ذلك لن يتحقق ما لم تتآزر الجهود وتتكاتف السواعد لتمكن الأيتام في هذا الإتجاه، وتقاسم المجتمع والحكومة معهم همومهم حتى يكونوا بمثابة المصباح الذي يُنير لهم دروبهم، ففي كفالة اليتيم تروي المياه سعادة كما يروي الماء الزرع تماما.
وفي سياق هذا المعنى أقول للمُجتمع أولا والحكومات والمؤسسات المعنية ثانيا، أني شخصيا كبرت من دون أن تُبصر عيناي والدي (رحمه الله)، وعندما دخلت المدرسة، كُنت أعيش معاناة كبيرة حين ينعقد يوم الآباء والتلاميذ، وكنت حين يسألونني : ــ لماذا لم يحضر والدكِ إجتماع الآباء! .. كُنت أرد عليهم : ــ أنه مسافر! .
هكذا كانت والدتي وأهلي من الأعمام والأخوال ومنهم الخالة (شيرين) علموني، وكان الجميع بالنسبة لي بمثابة أكثر من الأب لي، يغطون كل إحتياجاتي،وحين كبرت رويدا رويدا، رحت أصنع لنفسي قصة نجاح في ظل رعاية المجتمع العائلي، وأنا أسأل : ــ ما كانت طموحات والدي؟ .. فأجابت والدتي : ــ أن والدك قدَّم أوراقه وشهادته الجامعية للحصول على شهادة ماجستير!.
عند تلك اللحظة تسللت إلى دماغي فكرة تحقيق أمنية والدي!، وكنت يومها من الطالبات المجتهدات بشهادة الجميع، والنتائج التي حصلت عليها في الإمتحانات العامة لغاية إنهاء دراستي الجامعية وحصولي على بكالوريوس في هندسة تخطيط المدن.
بعدها جاهدت كثيرا، وحققت أمنية والدي بالحصول على شهادة الماجستير، وأهديت جهودي وقصة نجاحي إليه وإلى والدتي .. من هنا أذكركم جميعا من أن بمقدور الإنسان اليتيم أن يصل إلى المراتب العُليا في الدراسة وغير الدراسة إذا ما جاهد وحاول الحصول عليها .. أشكر والدتي وخالتي (شيرين) وكل من كفلني داعم ومؤازر لتحقيق ما وصلت إليه اليوم، وأذكركم بقول الرسول الكريم : ــ أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ــ “أشار بالسبابة والوسطى” بينهما .. فالنتقرب في هذا الشهر الفضيل كثيرا من اليتامى وندخل البهجة والسرور في أنفسهم حتى يتمكن كل يتيم من أن يصنع لنفسه قصة نجاح، وفي ذلك أجر عظيم.
إن الأيتام بحق هم ملوك البدايات وأبطال النهايات!.