• img

القشلة..استثمار ام تحييد ام شيئا اخر؟

يونيو 13, 2026

 

بقلم:احسان باشي العتابي

تعد القشلة في شارع المتنبي احد ابرز المعالم التراثية والثقافية في بغداد، فهي ليست مجرد بناء اثري يعود الى الحقبة العثمانية، بل فضاء ارتبط في ذاكرة العراقيين بالنشاط الثقافي والفكري، ومكانا اعتاد المثقفون والكتاب والادباء والصحفيون الالتقاء فيه لتبادل الاراء ومناقشة هموم الوطن وقضاياه.

في الاونة الاخبرة، برزت توجهات رسمية لتحويل هذا المعلم الى مركز ذي طابع ربحي من خلال فرض رسوم او استثمارات تجارية مختلفة. وقد روج لهذه الخطوة على انها ضرورة تفرضها متطلبات الصيانة والحفاظ على المبنى التاريخي، وان الاموال المتحصلة ستخصص لادامة هذا الارث الحضاري وحمايته من التدهور.

غير ان هذا التفسير لا يبدو مقنعا لجميع المهتمين.فهناك من يرى ان الدافع الحقيقي يتجاوز الجانب المالي والاداري، ليصل الى محاولة تغيير هوية المكان وطبيعة مرتاديه. فالقشلة لم تكن يوما مجرد مرفق سياحي، بل شكلت على مدى سنوات طويلة ملتقى لطبقة من المثقفين الذين جعلوا من قضايا الوطن والانسان محورا لاهتماماتهم ونقاشاتهم. ومن هنا يبرز التساول: هل المقصود فعلا توفير موارد مالية للصيانة، ام ان الغاية غير المعلنة، هي ابعاد هذه الشريحة عن المكان، عبر تحويله الى فضاء تجاري، يفقد تدريجيا روحه الثقافية، وتاثيره في الشارع العراقي؟

هذا الانطباع لا يا من فراغ، بل يجد ما يعززه في تجارب مشابهة شهدتها بغداد خلال السنوات الماضية. فالكثير من المعالم والرموز التي كانت تحمل دلالات وطنية وتاريخية تعرضت للاهمال او التغييب او التشويه التدريجي. ولعل من ابرز الامثلة على ذلك ما آل اليه حال بعض النصب التذكارية التي تجسد محطات مهمة من تاريخ العراق، ومنها نصب الشهيد الذي يمثل شاهدا على واحدة من اكثر الحروب تاثيرا في تاريخ البلاد الحديث، فضلا عن نصب الطيار عبد الله لعيبي وغيره من الرموز التي اخذ حضورها يتراجع في الوعي العام بفعل الاهمال او سوء الادارة .

ان المدن لا تفقد ذاكرتها دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من الخطوات الصغيرة التي تبدو للوهلة الاولى ادارية او تنظيمية، لكنها تودي مع مرور الوقت الى تغيير هوية المكان وسلخه عن وظيفته الاصلية. وحين يتحول الفضاء الثقافي الى مشروع استثماري بحت، فان الخسارة لا تكون معمارية فحسب، بل تمتد لتشمل الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية للمجتمع.

لا احد يعترض على صيانة القشلة او تطويرها او توفير الموارد اللازمة للحفاظ عليها، لكن ذلك ينبغي ان يتم بطريقة تضمن بقاءها فضاء مفتوحا للمثقفين والقراء والباحثين، لا ان تتحول الى موقع يقاس نجاحه بحجم الايرادات المالية فقط. فالقيمة الحقيقية للقشلة لا تكمن في جدرانها وساعتها الشهيرة وحدهما، بل في الدور الثقافي الذي ادته لعقود طويلة، وفي قدرتها على جمع العراقيين حول الكلمة والفكرة والحوار.

ويبقى السوال مطروحا: هل نحن امام مشروع للحفاظ على التراث، ام امام حلقة جديدة في مسلسل تراجع المساحات الثقافية العامة لصالح منطق الاستثمار والربح؟ الزمن وحده كفيل بالاجابة، لكن الموكد ان الشعوب التي تفقد ذاكرتها الثقافية، تفقد معها جزءا مهما من هويتها ومستقبلها، لتبقى بعدها تندب حظها جيلا من بعد جيل!

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان