
بقلم: احسان باشي العتابي
ان اخطر ما في بعض الطروحات التي تقدم اليوم عبر الشاشات والمنابر الاعلامية، ليس اختلافها السياسي او التاريخي او الاجتماعي، بل ما تختزنه من نظرة فوقية مريضة تجاه شرائح واسعة من ابناء هذا الوطن، وكأن العراق خلق لفئة دون اخرى، وكأن المدينة ملك خاص يحتكره من يظن نفسه “ارقى” نسبا او مكانة اجتماعية.
ومن هذا الباب جاء تصريح عدنان الدنبوس الكناني، حين حمل موسس الجمهورية العراقية عبد الكريم قاسم مسوولية “تدمير الاراضي الزراعية” و”ترييف المدن وبغداد” بسبب قانون الاصلاح الزراعي وتوزيع الاراضي على الفلاحين. وهو طرح يكشف، شاء صاحبه ام ابى، عن عقلية اقطاعية ما زالت تنظر الى ابن الريف بوصفه مواطنا من درجة ادنى، لا يحق له ان يكون شريكا كاملا في المدينة والوطن والقرار.
ورغم ان كثيرا من المختصين والمورخين اكدوا ان انتقال اعداد كبيرة من سكان الريف الى المدن، وبغداد تحديدا، سبق مرحلة حكم عبد الكريم قاسم بسنوات ليست قليلة، فاننا – وحتى لو سلمنا جدلا برواية خصومه – سنجد انفسنا امام سوال جوهري:
منذ متى اصبحت بغداد او غيرها من المدن العراقية وقفا على طبقة بعينها؟ ومن الذي منح البعض حق تقرير من يسكن ومن لا يسكن؟ اليس العراق وطنا لجميع العراقيين؟ اليس من حق المواطن، وفق القانون والدستور، ان يختار مكان عيشه بما ينسجم مع حياته ومستقبله، ما دام لا يتجاوز على حقوق الاخرين؟
ووفق روية الدنبوس نفسه،فان من الواجب محاسبة النظام الحاكم ما بعد عام 2003 والذي يمثل هو احد اهم دعائمه من جراء انتقال ملايين العراقيين من الارياف الى المدن ومنها بغداد ولاسباب عدة من اهمها الاهمال للقطاع الزراعي، والذي بحسب تصريحات بعض المسوولين فيه، حصل وفق اجندات بعينها ،نحن في غنى الان ان ندخل في تفاصيلها، لانها ستبعدنا عن جوهر قضيتنا التي نحن في صددها.
والحقيقة التي يتعمد كثيرون تجاهلها ان عبد الكريم قاسم لم يجبر الفلاحين على ترك اراضيهم، بل حاول انقاذ الريف العراقي من هيمنة الاقطاع المرتبط بالمصالح البريطانية، ذلك النظام الذي حول الانسان الى تابع مسحوق يعمل في ارض لا يملك منها شيئا، بينما تذهب خيراتها الى حفنة من المنتفعين الذين لم يحصلوا على تلك الاراضي عبر العمل والانتاج، بل عبر التحالف مع المستعمر وخدمة مشاريعه.
لقد اراد عبد الكريم قاسم ان يعيد للفلاح شيئا من انسانيته وكرامته، وان يخلق مجتمعا اكثر عدالة، وان يجعل الارض لمن يزرعها لا لمن يتاجر بعرق الناس والامهم. كما عمل على دعم مشاريع استصلاح الاراضي والنهوض بالقطاع الزراعي، ادراكا منه ان الزراعة ليست هامشا اقتصاديا، بل ركيزة من ركائز الاستقلال الوطني.
لكن تلك الاصلاحات لم تكن لترضي الاقطاعيين ومن سار في ركابهم من جماعات المصالح، ولا الجماهير التي اعتادت الخضوع لمن يمتلك النفوذ والمال، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن وكرامة ابنائه. ولهذا شنت حملات التشويه ضد عبد الكريم قاسم منذ ايامه الاولى وحتى بعد استشهاده، لان مشروعه لم يكن مجرد مشروع حكم، بل مشروع تغيير اجتماعي هدد بنية تقليدية استفادت طويلا من بقاء الشعب خائفا وتابعا.
والموسف ان البعض ما زال حتى اليوم يكرر الخطاب ذاته، خطابا يقيس قيمة الانسان بمنطق “المدينة والريف”، وكأن التمدن يقاس بمكان الولادة لا بالعقل والاخلاق والثقافة والعمل. في حين اثبت التاريخ الحديث ان اعظم الامم لم تنهض الا بعدما اسقطت امتيازات الطبقات المتسلطة واعترفت بأن الشعب هو اصل الشرعية ومصدر السلطة.
فاوربا التي يتغنى العالم اليوم بتقدمها لم تصل الى ما وصلت اليه صدفة، بل بعد صراعات طويلة ضد الاقطاع والاستبداد والامتيازات الوراثية. وكانت الثورة الفرنسية لحظة مفصلية اعلنت فيها الشعوب ان الحكومات ليست مالكة للاوطان، بل موظفة لخدمة الناس وفق القانون والدستور. ومنذ تلك اللحظة تسارعت الثورات الصناعية والعلمية والسياسية، لان الشعوب هناك امنت بحقها في ادارة اوطانها، بينما بقينا نحن غارقين في صراعات الماضي وتقديس الاشخاص والطوائف والعشائر والمصالح الضيقة.
ان الفرق الحقيقي بين الامم المتقدمة والمتاخرة لا يكمن في الموارد ولا في التاريخ، بل في وعي الشعوب. فهناك شعوب تنظر الى التاريخ بوصفه تجربة تتعلم منها لتتقدم، بينما ما زالت شعوبنا تتعامل معه كساحة ثار دائم يستهلك فيها الحاضر والمستقبل معا.
ولهذا اقولها بضمير مرتاح: ان نظام عبد الكريم قاسم، قياسا بمعظم الانظمة التي حكمت العراق، كان من انظف واشرف من تولى ادارة الدولة العراقية، لا لانه كان معصوما من الخطا، بل لانه تعامل مع الوطن بعقلية المسوول، لا بعقلية التاجر او المنتقم او التابع للخارج.
ويكفي عبد الكريم قاسم فخرا ان كثيرا من ابناء الاجيال اللاحقة ما زالوا يذكرونه بوصفه نموذجا للحاكم الوطني القريب من الناس، ويزيده فخرا ان خصوم الداخل والخارج، رغم اختلافاتهم، اجتمعوا على اسقاط مشروعه الوطني لانه هدد مصالحهم ونفوذهم.
ولهذا ربما كان المكان الحقيقي لعبد الكريم قاسم في شعب يدرك معنى الوطن جيدا، ويفهم ان السلطة وظيفة لخدمة الناس، لا وسيلة لاستعبادهم.