
بقلم:احسان باشي العتابي
مساعدة الاخرين ليست سلوكا عابرا، بل هي انعكاس حقيقي لاخلاق الانسان التي نشا وتربى عليها. والاعتراف بجميل من يقدمون هذا العطاء، وذكرهم بكلمة طيبة، هو اقل ما يمكن ان يقدم لهم وفاء لمواقفهم. وغالبا ما نجد ان اصحاب الاخلاق الرفيعة لا تغيرهم الظروف، سواء اكانوا في موقع بسيط ام في منصب رفيع، فالقيم الحقيقية تبقى ثابتة لا تتبدل بتبدل العناوين.
ساتحدث هنا عن تجربة شخصية عشتها وما زلت اعيش تفاصيلها، مع احد المسوولين في محافظة واسط، وليس هدفي المديح او التمجيد بقدر ما هو نقل صورة واقعية لموقف انساني مشرف، في وقت اعتدنا فيه على سماع الكثير من النماذج السلبية في مواقع المسوولية داخل العراق.
قبل ايام، فقدت ابن عمي، الذي كان منتسبا في مديرية شرطة الكهرباء، وتحديدا في مركز شرطة كهرباء واسط، وهي احدى تشكيلات وزارة الداخلية. وخلال متابعتي لاجراءات عائلته القانونية والادارية بعد وفاته، تواصلت مع الجهات المعنية، ومن بينها مركزه الوظيفي. وللامانة، كان لتفاعل مسوولي المركز اثر طيب في النفس؛ اذ بادروا الى زيارته في منزله اثناء مرضه بعد العملية التي اجريت له، كما حضروا مجلس العزاء، وهي مواقف تحسب لهم وتعكس حسا انسانيا لا يغفل عنه،في زمن باتت الانسانية عملة نادرة،بل ان من يتعامل بها،يعتبر مغفل في نظر من لم تكن من سجيته.
لكن ما استوقفني اكثر، وترك لدي انطباعا عميقا، هو اسلوب التعامل الذي لمسته من ضابط المركز، العقيد مصطفى علي نافع. فقد كان يتعامل بروح القانون لا بنصوصه الجامدة، وبانسانية واضحة لا تحتاج الى تكلف. في كل مرة تواصلت معه بخصوص معاملة تخص عائلة الفقيد، كان يرد بكل بساطة: “سهلة، بيك خير، دلل… اعتبرها منجزة”. ولم تكن هذه الكلمات مجرد مجاملة، بل كانت تترجم الى افعال ملموسة واجراءات سريعة تخفف عن العائلة عبء الظروف الصعبة التي تمر بها بعد فقدانهم لابيهم.
ان ذلك النموذج الخير،يوكد ان الالتزام بالقانون لا يتعارض مع الرحمة والانسانية، بل يكتمل بهما. فالقانون حين يطبق بروح متفهمة يحقق العدالة الحقيقية، لا الشكلية فقط. كما يبين ان الخلل الذي نشهده احيانا في موسساتنا ليس دائما في الانظمة بحد ذاتها، بل في طريقة تعامل بعض القائمين عليها، في حين ان المسوول الذي يمتلك حسا انسانيا قادر على تسخير النصوص لخدمة الناس ضمن اطارها الصحيح،وهو بذلك،يدفع المجتمع لتقديس القانون،بدلا من الانصياع له رغما عنهم.
ان الحديث عن هذه التجربة لا يهدف الى الاشادة بقدر ما هو دعوة صادقة لكل من يتولى مسوولية عامة ان يدرك حجم الاثر الذي يتركه في حياة الاخرين. فكلمة طيبة، او استجابة سريعة،او موقف انساني بسيط، قد تعني الكثير لمن يمر بظروف قاسية، وقد تكون الفارق بين اليأس والامل.
وفي الختام، تبقى مثل هذه المواقف نقاطا مضيئة في واقعنا، توكد ان الخير لا يزال حاضرا، وان الوظيفة العامة يمكن ان تكون وسيلة لخدمة الناس لا سلطة عليهم. ولعل في نقل هذه النماذج ما يحفز الاخرين على الاقتداء بها، لان المجتمعات لا تنهض بالقوانين وحدها، بل باخلاق من يطبقونها.