• img

دموع عند بائع الخضار…وصور استغلال …وعتب وملائمة

فبراير 05, 2026

 

بقلم / احسان باشي العتابي

قبل ثلاثة ايام، في دكان بقالة صغير اعتدت ان ابتاع منه حاجتي، سالت امرأة عن سعر كيلوغرام من الباذنجان.
اجابها البائع: الف وخمسمئة دينار.
لم تجادل، لم تعترض، لم تفاصل.
فقط انهمرت دمعة، أدارت وجهها، ومضت.
لحقت بها، وعرضت ان اشتري لها ما تحتاجه.
توقفت لحظة، وقالت بهدوء يختصر وجعا طويلا:
اليوم انت، وغدا ماذا افعل؟
ثم مضت، وعيناها مثقلتان بما لا يقال.

لم يكن ذلك المشهد عابرا، بل كان صورة مكثفة لمعنى الفقر حين يتحول من عوز مادي الى انكسار انساني. فالفقر لا يقاس بفراغ الجيب فقط، بل حين يشعر الانسان انه بات عبئا، وحين يصبح الغد اكثر قسوة من احتمال اليوم، وحين تصبح الكرامة اثمن واصعب من لقمة الخبز.

تلك المرأة ليست حالة فردية، بل تمثل الاف العوائل التي تعيش على حافة الحاجة؛ تواجه الغلاء بصمت، وتكابر على الالم، وترفض احيانا المساعدة لا تعففا، بل ادراكا مريرا ان العون العابر لا يصمد امام معاناة مفتوحة.

غير ان الماساة لا تتوقف عند حدود السوق والاسعار، بل تمتد الى اشكال اشد قسوة.فالفقر يتحول احيانا الى فخ،يستدرج عبره فقراء للتطوع في صراعات لا تمت لمصالح الوطن بصلة، عبر مكاتب فصائل مسلحة، تحت عناوين عقائدية او شعارات زائفة. وحين يقتل هولاء، تترك عوائلهم لمواجهة الفقر وحده_ كما اثبت الواقع لحالات كثيرة من خلال الاعلام _.

وهنا لا يعود الفقر مجرد حالة اقتصادية فحسب، بل اداة ضغط، وسلاح انتهاك، تستغل فيه الحاجة، وتستباح فيه الكرامة، وتترك المرأة وحيدة في مواجهة الفاقة، ونظرة المجتمع، وصمت الموسسات.

ان اخطر ما يفعله الفقر:
انه لا يسرق المال فقط،
بل يطفئ الصوت،
ويجبر الانسان على البكاء بعيدا عن الانظار،
كأن الجوع خطيئة،
وكأن الحاجة ذنب.

ليس الخراب في الحكام وحدهم، ولا في شكل النظام الذي يتبدل ولا يتغير، بل في تلك الجموع التي تعلمت التصفيق اكثر مما تعلمت السوال. جموع رات في الحاكم قدرا، وفي الخضوع فضيلة، وفي الصمت حكمة. هكذا، وبهدوء طويل، صار التصفيق ثقافة، وصار الاستثناء هو الوعي.

حتى بدات المس اليوم، تطبيقا لنظرية اطلقها احدهم في الزمن الغابر عبر من جندهم ،باقناع بسطاء المجتمع انذاك بأن”الانسان مسير وليس مخير”.

الماساة ليست سياسية بقدر ما هي وجودية؛ انها علة متوارثة، تنتقل كما تنتقل الملامح والطباع، جيلًا بعد جيل. وكأن التاريخ، بدل ان يعلم، يورث اخطاوه، فيصدق القول: القوم ابناء القوم، لا لانهم يشبهونهم فقط، بل لانهم يعيدون انتاجهم دون مساءلة.

في مثل هذا المناخ، يصبح الحر غريبا، ويغدو السوال تهمة، وتتحول الفكرة الى عبء. هذا بلد لا يطمئن للاحرار، ولا يحتمل من يرى في الحاكم موظفا عابرا، لا ظلا الهيا. موظفا يكلف، فيحاسب، ويخطئ،فيساءل، ويزول كما زال غيره.

وحين يصبح العدل مطلبا شاذا، والمحاسبة خروجا عن السرب، ندرك ان المشكلة لم تكن يوما في من جلس على الكرسي، بل في من اعتاد الانحناء له… حتى صار الانحناء طبيعة، والوقوف فعلا غير مالوف.

شارك المقال

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان