

بقلم / احسان باشي العتابي
لم تكن ايرينا زاروتسكا تتخيل، وهي تخطو خطواتها الاولى نحو ارض بعيدة، انها ستجد الموت في المكان الذي قصدته بحثا عن الحياة. تركت خلفها ركام المدن المشتعلة في اوكرانيا، ازيز الرصاص وصوت الانفجارات، وودعت ذكريات الطفولة على عجل، لتشد الرحال صوب الولايات المتحدة الامريكية، علها تجد هناك وطنا بديلا يمنحها الامان الذي حرمت منه في بلدها.
لكن القدر، الذي لا يمل من المفارقات القاسية، كان بانتظارها. ففي لحظة عابرة، وبلا مقدمات او خصومة، وجدت نفسها هدفا لرجل لا تعرفه، لم يجمعهما سابق لقاء ولا حتى كلمة عابرة. جريمة باردة، عمياء، بلا منطق او مبرر، اسقطتها ارضا مضرجة بدمائها، تاركة خلفها اسئلة معلقة في وجدان العالم: لماذا؟!
الشرطة وصفت الحادث بالعبثي، والشهود اكدوا ان ايرينا لم تبد اي مقاومة، بل كانت وكانها عاجزة عن استيعاب ما يجري حولها. تلك النظرة المذهولة، الصامتة، التي سبقت سقوطها، جعلت المشهد اكثر قسوة، حتى بدا وكانه مشهد مسرحي تراجيدي، لكنه ليس على خشبة مسرح، بل على ارض الواقع… حيث لا يسدل الستار، ولا يصفق الجمهور، بل تسدل ستارة الدم على حياة لم تمنح فرصة البدء من جديد.ولعل المشهد هذا هو السبب ،الذي دفع الاخرين في بقاع الارض للتعاطف معها،وفي مقدمتهم رئيس الولايات المتحدة الامريكية دونالد ترامب الذي طالب باعدام الجاني.
ايرينا لم تكن مجرد رقم يضاف الى قوائم الضحايا في نشرات الاخبار، بل كانت رمزا لكل لاجئ يهرب من حرب ليصطدم بحرب اخرى، حرب لا تطلق فيها المدافع، بل تنفجر في قلب المجتمع الغربي عبر عنف فردي غير متوقع. رحلت وهي تحلم بالاستقرار، رحلت وهي تكتب في ذهنها فصلا جديدا من حياتها، فاذا بالحبر ينزف دما قبل ان تبدا السطور الاولى.
قصتها لم تهز مشاعر الناس لانها حادثة جنائية فحسب كما اشرنا سلفا، بل لانها عكست هشاشة الحياة، ورسمت لوحة فاجعة لفتاة بريئة سقطت دون ان تفهم “لماذا هي بالذات؟”. انها القسوة حين تتجسد في اوضح صورها: ان يسلب انسان حياته بلا سبب.
لقد رحلت ايرينا… لكنها تركت خلفها سوالا مفتوحا، يلاحق ضمائرنا جميعا:
كيف يمكن للعالم ان يعد اللاجئين بالامان، بينما قد يتربص بهم الموت في اكثر الاماكن طمانينة؟
ختاما:
لروح ايرينا السلام والطمانينة…ولذويها ومحبيها الصبر والسلوان…كما اتمنى ان تكون ماساتها صرخة بوجه العبث الذي يطال ارواح الابرياء من البشر…لعلها توقظ ما تبقى من ضمير الانسانية الذي ينازع من اجل البقاء!